الثلاثاء، 19 يوليو 2016

شفرة دافنشي.. محاكم التفتيش والمؤسسة الكنسية


شفرة دافنشي.. محاكم التفتيش والمؤسسة الكنسية





السـ عليكم ورحمهـ الله وبركآتهـ ـلآم

صبآح/مسآء الفلّ واليآسمين



المتابع لأخبار رواية "شفرة دافنشي" لا بد وأن يصاب بالدهشة والفضول من كثرة ما أثارته من ردود أفعال في الساحة الإعلامية الدولية بعامة، وخاصة في المجال الإعلامي للمؤسسة الكنسية الفاتيكانية، التي انتابها رد فعل كاد يصل - وفقاً لما يقال في الصحف والمواقع الإلكترونية - إلى درجة الهلع بين رجالها.

وعلى الرغم من أن رواية دان براون قد ظهرت عام 2003 إلا أن ردود الأفعال التي أثارتها، خاصة في المجال الكنسي، لم تبدأ إلا بعد أن انتشر توزيعها وتعددت ترجماتها وتناولتها أقلام النقاد بالتعريف والتعليق على أهم ما جاء بها كقضية قادرة على أن تهز أركان الكيان الكنسي إن لم تكن قادرة على أن تأتي عليه برمته - على حد قول العديد من النقاد.. أي أن الرواية، في بداية مشوارها، قد أفلتت من لجنة محاكم التفتيش، المعروفة حالياً باسم: لجنة عقيدة الإيمان، الخاصة بمراجعة ومتابعة كافة الإصدارات لكي تتصدى لمن يحاول المساس بما فرضته المؤسسة الكنسية عبر المجامع على مر العصور.. ويرجع سبب إفلات الرواية إلى العنوان الذي لم يكن يدل على أن محتواه قادر على هدم أوصال ذلك الكيان العتيد..

وقد تمت ترجمة الرواية إلى 44 لغة، وبيعت منها ست وأربعين مليون نسخة، بحيث أصبحت تمثل أكثر الروايات بيعاً في العالم، أو لعله رقم لم تحققه أية رواية أخرى.

وإذا ما تأملنا كمّ ما أثارته من ردود أفعال لرأينا أنه قد صدر بشأنها بالفرنسية فقط ودوناً عن اللغات الأخرى أكثر من عشرة كتب، ثلاثة منها على الأقل بأقلام كنسيين، ومنهم القس كلود هود الذي أصدر كتاباً بعنوان: "أكاذيب شفرة دافنشي"، والباقي لأشخاص تابعين للكنيسة أو كتبوها بإيعاز منها.. وتعدّت المداخلات الإلكترونية المليونين مداخلة في موقع على شبكة الياهو الفرنسية ، إضافة إلى المواقع الثابتة التي أضافتها المواقع الكنسية في أبوابها الثابتة.. وقامت مؤسسة " أوبس داي" وتعني: "عمل الرب "، وهي من كبرى المؤسسات الكنسية السياسية تدخلاً وسيطرة بالطلب من شركة سوني كولومبيا، المنتجة للفيلم المأخوذ عن الرواية، أن تضع على إعلانات الفيلم لافتة تقول: إنه لا علاقة لهذه الأحداث بالحقيقة، إلا أن الشركة لم تعر تلك المؤسسة أي التفات.. كما قامت المجلة التبشيرية الفرنسية المعروفة باسم : "إيل إيه فيفان" أي: "إنه حيّ" التابعة لمنظمة عمانويل، بطباعة 350000 نسخة من كتيب مكون من ستة عشر صفحة توزعه مجاناً لمن يطلبه ليساعد في الحملة التي تقودها المؤسسة الكنسية للتصدي للفيلم قبل ظهوره، وذلك للحد من تأثيره على الأتباع، وهو في نفس الوقت كتيب تبشيري يقوم بتسهيل المهمة على من يقبل القيام بها!..

كما تطالب المؤسسة الكنسية الفاتيكانية وكافة منظماتها الأتباع بأن يندمجوا في حملة التبشير الواسعة التي تقودها للتعريف " بحقيقة " المسيحية وما تقوم به من نشاطات تبشيرية ومساعدات رامية إلى التبشير خاصة في إفريقيا وغيرها من البلدان..

وكانت آخر المحاولات المستميتة من الجانب الكنسي للتصدي لهذا الفيلم قبل ظهوره، ما أعلنه موقع " inXL 6" المسيحي عما قام به بعض دارسي اللاهوت في مدينة كان الفرنسية والتي سيقام بها المهرجان السينمائي الدولي، من عمل أسطوانة" دي في دي "، عبارة عن فيلم يردّون فيه على الفيلم المأخوذ عن الرواية ويدافعون فيه عن العقيدة الكاثوليكية بالرد على كافة الأسئلة التي قد تتبادر إلى ذهن أي شخص، وذلك بالتعاون مع كبار أساتذة اللاهوت لتفنيد ما يقال حول العلاقة بين السيد المسيح ومريم المجدلية، وحول حقيقة الأناجيل التي استبعدتها الكنيسة، وحول مسألة تأليه السيد المسيح التي تمت فعلاً في مجمع نيقية عام 325 م، وحول حقيقة دور منظمة "عمل الرب" الشهيرة بتدخلاتها السياسية. وقد قام مركز الدراسات اللاهوتية بمدينة كان بإنتاج هذا الفيلم وتوزيعه بالتعاون مع مواقع أخرى..

وباختصار شديد يمكن القول إجمالاً: إنه ما من جريدة أو مجلة في العالم سواء أكانت عامة أم متخصصة إلا وتدخلت بصورة ما فيما يطلقون عليه بحق "معركة شفرة دافنشي"، وذلك بكتابة مجرد مقال إخباري، أو عدة مقالات، أو بتخصيص ملزمة أو عددٍ بأسره لتناول هذه الرواية بالتأييد أو بالنقد.

وفي نبأ صادر عن وكالة الأنباء الفرنسية يوم 12 أبريل 2005، بقلم باري جيمس، والموضوع أساساً كان عن منظمة "عمل الرب"، ينتهي بعبارة: "أن الفاتيكان قد أسند حديثاً إلى كبير الأساقفة ترشيازو برتوني مهمة محاربة الهرطقات الواردة في رواية شفرة دافنشي، أكثر الروايات تحقيقاً لأرقام قياسية، والتي يقول فيها: إن أحد أساقفة منظمة "عمل الرب" قد أمر أحد الرهبان من نفس المنظمة بالقيام بعملية اغتيالات"..

وفي 15 أبريل 2005، نشرت مجلة " نوفل أوبسر فاتير" الفرنسية قائلة: " بينما الكرادلة يعدّون لاجتماع المجمع في أكبر سرية ممكنة، توجد منظمة كاثوليكية تلعب دوراً ضخماً في انتخاب البابا الجديد: إنها منظمة "أوبس داي" (عمل الرب) الشديدة التأثير والشديدة التعصب، التي صورها دان براون، الكاتب الأمريكي، في أحسن الروايات تحقيقاً للمبيعات: شفرة دافنشي". وبعد أن أوضح دانييل وولز كاتب المقال أن اثنين من الكرادلة المجتمعين لاختيار البابا الجديد ينتميان إلى هذه المنظمة التي وضعت هدفاً يرمي إلى إسناد دور أكثر فعالية للعلمانيين في عمليات التبشير(...) وفي تعيين أحد أعضائها، خواكيم نفارو- فالس، في المنصب الشديد الحساسية كمتحدث رسمي باسم الفاتيكان"!!

وفي الثامن والعشرين من أبريل 2006 قام الرجل الثاني في الفاتيكان، الأسقف أنجيلو آماتو بعقد مؤتمر صحفي طالب فيه الأتباع بمقاطعة الفيلم وعدم الذهاب لمشاهدته لأنه: "شديد المعاداة للمسيحية ومليء بالفريات والإهانات والأخطاء التاريخية واللاهوتية ضد يسوع وضد الأناجيل وضد الكنيسة".. ثم أنهى مؤتمره الصحفي مطالباً الأتباع بمقاطعة الفيلم مثلما سبق وقاطعوا فيلم مارتن سكورسيز عام 1988 المعنون: " آخر إغراء ليسوع " الذي تعرض بصورة أخرى لنفس علاقة السيد المسيح بمريم المجدلية.

وفي 8/5/2006 أعلن الكاردينال آرنزي، وكان من المرشحين لمنصب البابوية بعد وفاة يوحنا بولس الثاني، قائلاً: "إن المسيحيين لا يجب أن يقفوا مكتوفي الأيدي مكتفين بالتسامح والنسيان، ولا بد من القيام بشيء إيجابي كاللجوء إلى القضاء، وهي وسيلة يمكن الرجوع إليها لكي يحترم الآخرون حقوقنا".. والمقصود بالآخرين هنا هو كل من لا يتعاطف مع تلك المؤسسة سواء أكان من الأتباع أم من غيرهم!

وفي استطلاع للرأي نقلته مجلة "نوفل أوبسر فاتير" الفرنسية عن مجلة " العلم والحياة " خبر يؤكد أن 31 % من الفرنسيين مقتنعون تماماً بأن رواية شفرة دافنشي مستوحاة من حقائق واقعية..

أما موقع دراسات ألفا الإلكتروني التبشيري فقد أصدر كتيباً من 32 صفحة أورد فيه المداخلة التي قام بها القس نيكي جومبل المسؤول عن ذلك الموقع في لندن، وهو يرد فيه على ما أورده دان براون من معلومات وحقائق مزعجة للكيان الكنسي. كما تم وضع نفس الكتيّب على شبكة النت لمن يرغب في طبعه أو قراءته.. إضافة إلى الإعلان عن توزيعه على الطوابير التي تقف أو ستقف لحجز مكان لمشاهدة الفيلم!..



ومن المفترض أن يفتتح مهرجان كان السينمائي التاسع والثلاثين يوم 17 مايو الحالي، أي بعد بضعة أيام، بعرض فيلم "شفرة دافنشي"، وسوف يعرض في الدور الفرنسية في نفس ذلك اليوم، واعتباراً من 19 مايو، أي بعد ذلك بيومين، سيتم عرضه على الجمهور في قاعات العرض الأمريكية و العالمية.

وإذا ما كانت قصة الفيلم تتناول أساساً فكرة أن السيد المسيح لم يُصلب ولم يُقتل وإنما عاش وامتد به العمر وتزوج من مريم المجدلية، فإن هذه الفكرة تحديداً ليست من بنات أفكار دان براون وإنما هي ترجع إلى (إنجيل فيليب) الذي تم اكتشافه مع العديد من الوثائق الأخرى في نجع حمادي بصعيد مصر سنة 1945، وتم التعتيم عليه فترة ثم تم نشره منذ بضعة سنوات.. أي أنه في واقع الأمر من الأناجيل المتعددة التي استبعدتها الكنيسة لأنها تناقض أو لا تتمشى مع المنظومة التي فرضتها على الأتباع منذ القرن الرابع الميلادي. وهو نفس الشيء الذي حدث مع (إنجيل يهوذا) الذي تم اكتشافه آنذاك ثم تعرض للعديد من المتاهات قبل أن تقوم مجلة " ناشيونال جيوجرافيك " العالمية بترجمته ونشر نصه الشهر الماضي كما تصدر غلاف عددها الصادر في مايو 2006.

أما القس السابق لويجي كاتشيولي، الذي كان أول من قام برفع قضية على الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا بسبب ترويجها الأكاذيب وفرضها على الأتباع وبسبب إحلالها شخصية مزيفة باسم يسوع المسيح، وقامت المحكمة الإيطالية بحفظها، فاضطر إلى القيام برفع نفس الدعوى إلى محكمة حقوق الإنسان في مدينة ستراسبور، في 6 مارس 2006، والقضية برقم 14910/2006، فقد نشر تعليقاً بموقعه الالكتروني حول ما تطرحه رواية دان براون من معلومات، مؤكداً أن السيد المسيح كان متزوجاً من مريم المجدلية، مستشهداً على ذلك بما ورد في إنجيل فيليب الذي نطالع فيه أن: "مريم، التي كانت زوجة السيد يسوع، كانت دائماً بصحبته. وكان السيد يسوع يحب مريم المجدلية أكثر من الأتباع الآخرين وكثيراً ما كان يقبلها على فمها" . كما يستشهد كاتشيولي بما ورد بالبردية رقم 8502 في برلين، المسماة إنجيل مريم، والتي تشير إلى الغيرة والبغضاء بين الحواريين، وخاصة سمعان / بطرس، مؤكداً ما كان السيد المسيح يكنه من تمييز لمريم المجدلية إذ نطالع: " ترى هل يسوع قد تحدث سراً إلى زوجته قبل أن يحدثنا صراحة؟ هل يتعيّن علينا جميعاً أن نهان وأن نخضع لها؟ ترى هل يكون قد فضّلها علينا؟"..

ويشير كاتشيولي إلى أن إنجيل فيليب يتضمّن إشارة أخرى، إذ يقول سمعان / بطرس إلى باقي الحواريين: "يجب على مريم المجدلية أن ترحل عن جماعتنا لأن النساء لسن جديرات بالحياة".. إلا أن السيد المسيح الذي سمع قوله أجابه قائلاً: "سأقودها لتصبح رجلاً كي يمكنها أن تكون مناضلاً مثلنا"! وذلك إضافة إلى باقي التفاصيل التي يوردها في كتابه..

وبذلك يكون كاتشيولي أول من أشار في الفصل الثاني عشر من كتابه المعنون: "خرافة يسوع" إلى لوحة العشاء الأخير التي رسمها الفنان ليوناردو دافنشي وصور فيها مريم المجدلية عن يمين يسوع.. وهي اللوحة التي استشهد بها دان براون في روايته مشيراً إلى أن فنان عصر النهضة المبدع كان على علم بزواج السيد المسيح من مريم المجدلية. وهي اللوحة التي علّق عليها أحد المداخلين قائلاً: " لابد وأن يكون الإنسان أعمى لكي لا يرى أن هذا الوجه يمثّل امرأة بكل وضوح".

ولعل القارئ يتساءل عن كل ردود الأفعال هذه التي أُثيرت حول رواية " شفرة دافنشي"، وهل تستدعي فكرة زواج السيد المسيح من مريم المجدلية كل هذه الجهود المضنية من جانب المؤسسة الكنسية؟

فهي جهود تحرّك الآلاف من جحافل المبشرين والكنسيين والأتباع الذين ينساقون لقيادتهم وتوجيهاتهم.. وهنا لابد لنا من توضيح أن الرواية، التي يصل عدد صفحاتها في الترجمة الفرنسية إلى 570 صفحة، تتضمن ما يكوّن حوالي خمسين صفحة من المعلومات والحقائق المتعلقة بالمسيحية وبالكيان الكنسي، نورد منها على سبيل المثال لا الحصر مجرد ما يلي من النقاط:
-* انتقاد مجمع الفاتيكان الثاني الذي خرج عن التعاليم الراسخة للكنيسة والمسيحية وفتح الباب على مصراعيه لليبرالية في الكنيسة لتغيير العقائد وإعادة صياغتها (صفحة 186).. ولا يسع المجال هنا لسرد كل ما تم من تغيرات في العقيدة لصالح الصهاينة وغيرها كثير- ولعل ذلك هو ما ساعد على تزايد موجة الإلحاد في الغرب المسيحي.


-* اتهام الكيان الكنسي بقيادة حروب صليبية لاقتلاع الديانات الوثنية وعبادات الآلهة الأخرى في القرون الأولى، وأنه خلال هذه القرون وطوال ما عرف بعصر الظلمات تم إحراق خمسة ملايين امرأة على المحارق بأمر من الكنيسة (صفحة 25).. ولا نقول شيئاً عن الملايين الأخرى التي تم حرقها أو قتلها من الرجال والأطفال إذ تورد العديد من المراجع الحديثة رقم 68 مليوناً من البشر..

-* إن الكتاب المقدس عمل بشري كتبه العديد من الأشخاص في فترات مختلفة، وكثيراً ما كانت مضللة، وتطوّر خلال العديد من الترجمات والإضافات والتعديلات (صفحة 289).. ولعل المقدمة التي كتبها القديس جيروم، في القرن الرابع، للعهد الجديد، بعد أن قام بتبديل وتغيير نصوص العشرات من الأناجيل لكي يقوم بعمل العهد الجديد الحالي بأمر من البابا داماز لهو أكبر دليل على ما يطرحه دان براون من معلومات. وللعلم: فإن هذه المقدمة توجد ترجمتها في عدة مواقع إلكترونية!

-* إنه كان هناك حوالي سبعين إنجيلاً لكن الكنيسة استبعدت كل ما يخالف روايتها واحتفظت بأربعة منها فقط، وأنها خلقت بذلك ديانة هجين مكونة من عدة نصوص وأساطير ( صفحة 290).. ولا شك في أن الإصدارات العلمية الحديثة والتي بدأ تيارها منذ أكثر من مائة عام تثبت بالتفصيل ما تم أخذه أو نقله من تلك النصوص والأساطير..

-* إنه كان من مصلحة الكنيسة آنذاك أن يتم الاعتراف بيسوع على أنه المسيح الذي أعلن الأنبياء اليهود عن قدومه، وأنها سرقته من أتباعه الأوائل وحرّفت تعاليمه ووظفتها لفرض نفوذها (صفحة 292).. ولا شك في أن الإصدارات العلمية الحديثة وخاصة ما صدر منها بعد مجمع الفاتيكان الثاني، يؤكد ذلك، والكثير من هذه الأبحاث بأقلام كنسيين سابقين..
-* إن الغالبية العظمى من المثقفين في الغرب يعرفون هذه الحقائق ويعرفون تماماً تاريخ عقيدتهم (صفحة 292).. ولعل التعليق المُقنع على هذه المعلومة هو تزايد موجة الإلحاد بين الأتباع أو ابتعاد الكثيرين منهم خاصة من هم من رجالها والذين يطلق على خروجهم: النزيف الصامت للكنيسة!

-* إن ما يضايق هؤلاء المثقفين هو أن يتم تأليه يسوع بعد وفاته بأكثر من ثلاثة قرون، علماً بأن هناك المئات من النصوص التي تحكي حياته كإنسان بشري، وأن الإمبراطور قسطنطين قد أمر وقام بتمويل كتابة عهد جديد يستبعد كافة الأناجيل التي تتناول الجانب الإنساني وتعديل ما تجعله يبدو إلهياً وحرق الأناجيل الأخرى (صفحة 293).. وهو ما دفع بواحد مثل جوزيف هويليس، وكان من كبار رجال القانون في الولايات المتحدة وبينما كان في منصبه القانوني، إلى كتابة ذلك الكتاب الذي هز أركان المؤسسة الكنسية عند صدوره عام 1920، وكان بعنوان: " التحريف في المسيحية "..

-* إن بعض هذه الأناجيل الأخرى قد أفلت من الإبادة وإنه قد تم العثور على عدد منها في الوثائق والمخطوطات التي تم العثور عليها في كل من نجع حمادي بصعيد مصر ومنطقة قمران بالبحر الميت، وإن التناقضات والاختلافات الجذرية الواردة في الأناجيل الحالية تؤكد أنها عبارة عن نصوص متراكمة وتمت صياغتها من أجل برنامج سياسي هو: تعميم عملية تأليه يسوع وتدعيم السلطة القائمة آنذاك (صفحة 294).. لقد باتت هذه المعلومة من الحقائق الدارجة إذ تورد موسوعة بريطانيكا أن هناك مائة وخمسون ألف تناقض وتحريف في الكتاب المقدس، بينما رفع العلماء حديثاً هذا الرقم إلى ثلاثمائة ألف في كلا العهدين..

-* إن روما تريد إقناع العالم بأن النبي يسوع كان إلهاً أو أنه الله، لذلك استبعدت كل ما ينفي ذلك (صفحة 306).. وتلك هي القضية الحقيقية بكل مرارتها أو الخلاف الرئيسي بين المسيحية والإسلام، وهاهي قد أصبحت أيضاً بين العلماء والأتباع..

-* كان يسوع يهودياً، وفي أيامه كانت العزوبية مدانة، وكان على كل أب يهودي أن يبحث عن زوجة صالحة لابنه. وإذا لم يتزوج يسوع فكان لا بد من الإشارة إلى ذلك على الأقل في أحد الأناجيل الأربعة ومعه تبرير لهذا الوضع غير المألوف (صفحة 307).. وهي حقيقة تاريخية عقائدية في الشرع اليهودي الذي كان السيد المسيح يتبعه ولا خلاف عليها.

-* إن اللوحة رقم 107 بند 32 من إنجيل فيليب تقول: "كانوا ثلاثة يمشون دائماً مع المعلم: مريم أمه، وأخت أمه، ومريم المجدلية المعروف أنها كانت رفيقته ( koinonos ) لأن مريم بالنسبة له كانت أختاً وأماً وزوجة".. وفي اللوحة رقم 111 بند 55 نطالع".. رفيقة الابن هي مريم المجدلية، والمعلم كان يحب مريم أكثر من كل التلاميذ" والمعروف أن كلمة "رفيقة" ( koinonos) بالآرامية تعني " زوجة" (صفحة 308).. وهذه المعلومة تتفق وما هو معروف حول وجود قبر للسيد المسيح في بلدة سريناجار في الهند، أي أنه عاش وسافر حتى استقر به المطاف هناك ورفعه الله إليه عند انتهاء عمره ولم يقتل ولم يصلب.. وهو ما تتناوله العديد من الأبحاث منذ كتاب جيرارد ميسادييه المعنون : "الرجل الذي أصبح الله"!

-* إن أحد أسباب الحروب الصليبية كان البحث عن أية وثائق تتضمن معلومات عن مريم المجدلية التي كانت تمثل خطراً داهما على الكنيسة آنذاك، فقد كان يسوع قد أسند إليها هي تكملة الرسالة وليس إلى بطرس، بل كانت تمثل الدليل المادي على أن "ابن الله" الذي اخترعته الكنيسة قد أنجب خلفاً بشرياً! وأنه لكي تحمي نفسها من وضع مريم المجدلية قامت الكنيسة بفرض صورتها كعاهرة ومحت أثر زواجها بيسوع.. إذ كان من المحال للكنيسة أن تستمر بعد ذياع خبر زواج يسوع وإنجابه.. ولكي يمكن للمؤسسة الكنسية إعلان أنها وحدها هي طريق الخلاص والحياة الأبدية، كان لا بد لها من فرض وتأكيد ألوهية المسيح (صفحة 318).. والدليل على أن السيد المسيح لم يشأ أن يكون بطرس هو خليفته، كما فعلت المؤسسة الكنسية، ما نطالعه في إنجيل متى عندما وصفه السيد المسيح بأنه "قليل الإيمان"(متى 14:31) وعندما التفت: "وقال لبطرس: اذهب عني يا شيطان أنت معثرة لي لأنك لا تختم بما لله لكن بما للناس" (متى 26:23)..
وإذا ما تأملنا كل هذه النقاط وغيرها كثير، لوجدنا أنها عبارة عن حقائق أصبحت واردة في معظم الأبحاث التي بدأت تظهر منذ عصر التنوير، بشق طريقها بصعوبة فائقة، وتواصلت حتى يومنا هذا، في تزايد لافت للنظر، بحيث أصبحت مثل هذه المعلومات، في الإصدارات التي ظهرت في العقود القليلة الماضية، تبدو وكأنها عبارة عن معلومات دارجة بين العلماء والباحثين من كثرة ما صاحبها من دراسات قائمة على الوثائق والتحليلات اللغوية ومراجعة الترجمات السابقة. وهو ما دفع بأحد العلماء ليقول: إن الفرق الذي يوجد بين ما توصل إليه العلماء والباحثين في أصول المسيحية وتاريخها وبين عامة الجمهور هو جهل يصل إلى درجة الأمية! فما يعرفه العلماء في وادٍ، وما يُسمح بنشره للعامة في وادٍ آخر، وهي بكل أسف حقيقة نعيشها في العديد من المجالات وليس في تاريخ المسيحية وحدها!..

أي أن ما قام به دان براون في الواقع هو دمج بعض المعلومات والحقائق أو المعطيات العلمية التاريخية في قصة روائية رائعة الحبكة، من خلال حوار مختصر، واضح، وبسيط بين أبطالها..

ويبقى التساؤل مطروحاً حتى ظهور الفيلم وعرضه على الجمهور: ترى هل نجح العاملون في المجال السينمائي في نقل كل تلك الحقائق الثابتة علمياً وتاريخياً، والتي أوردها دان براون بوضوح، أم أن مقص الرقباء قد لعب دوراً بين الكواليس؟! وإن كان هذا التساؤل التقليدي في حد ذاته لا يمنع من أن نتأمل كل تلك ردود الأفعال التي دبّت بين أرجاء المؤسسة الكنسية للحيلولة دون وصول هذا الفيلم إلى الجمهور أو للتعتيم والتشويش على ما يقدمه من حقائق..

فإن كان ما تتضمنه رواية "شفرة دافنشي" مجرد فريات وادعاءات وأكاذيب، كما تردد كافة المؤسسات الكنسية والمواقع الإعلامية والإلكترونية التابعة لها، هل كان الأمر يتطلب كل تلك الجهود المستميتة التي لم نُشر إلا إلى جزء ضئيل منها مما تم في فرنسا وحدها؟! بل هل كانت تلك الأكاذيب والفريات تستدعي أن يتم مصادرة الترجمة العربية للرواية ومنع تداولها في بعض البلدان العربية والإسلامية التي يتألق فيها نفوذ المؤسسة الكنسية؟!

وتبقى علامات الاستفهام مطروحة..






يارب الموضوع يعجبكم

تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق