الثلاثاء، 26 يوليو 2016

الاحتلال الإنجليزي لبلاد الهند

الاحتلال الإنجليزي لبلاد الهند


الهند عبر التاريخ:

عندما نتكلم عن بلاد الهند في التاريخ فإننا لا نعني بذلك دولة الهند القائمة اليوم بحدودها المعروفة، ولكن نعني بذلك شبه القارة الهندية التي انقسمت بفعل الاحتلال الصليبي الذي يكره بشدة الكيانات الكبيرة وبالأخص تلك التي يحكمها المسلمون، انقسمت هذه البلاد الشاسعة الآن لعدة دول هي: الهند، وباكستان، وبنجلاديش، ونيبال، وبوتان، وسيريلانكا، إضافة إلى ما يتبعها من جزر في المحيط الهندي وهي: جزر المالديف، وجزر لكاديف في الغرب، وأندمان ونيكوبار في الشرق، وسيلان أو سرنديب في الجنوب.

وشبه القارة الهندية عالم قائم بذاته جغرافيًا في قلب القارة الآسيوية، ففي الشمال جبال الهمالايا الشامخة والتي تعرف بسقف الدنيا، وفي الشرق جبال آسام وهي في الأصل متفرعة من جبال الهمالايا، وفي الغرب جبال الهند وكوش الممتدة حتى الشاطئ، أما في جهة الجنوب فالمحيط، وهي بلاد شاسعة ممتدة الأرجاء تبلغ مساحتها قرابة 4.5 مليون كيلو متر مربع، وبها الكثير من الشعوب والقوميات واللغات واللهجات، وكانت عبر التاريخ من المناطق المؤثرة على ركب الحضارة ومسيرة البشرية، وتعددت بها الأجناس والديانات بصورة واسعة حتى يمكن القول أن شبه القارة الهندية هي تجسيد حقيقي لجميع أدوار تاريخ البشرية في شتى صوره، وفيها التمثيل الكامل لفروق الآدميين وما عرفوه من معتقدات منذ ظهور الوثنيات حتى هداية الناس إلى التوحيد.

ونظرًا لاتساع رقعة هذه البلاد لم يستطع حاكم واحد أو دولة واحدة أن تخضع جميع أقاليمها، فقامت بها العديد من الممالك والإمارات حتى آخر العهد الويدي، حيث بدأت معالم النظام الطبقي في الهند تتبلور وتستقر بين أهل هذه البلاد، وكان نظام الطبقات الهندي من أشد صور الظلم والقسوة والاستهانة بالكرامة الإنسانية، وقبل ميلاد المسيح عليه السلام بثلاثة قرون ازدهرت في الهند الحضارة البرهمية، ووضع فيها مرسوم جديد للمجتمع الهندي، وألف فيه قانون مدني وسياسي وهو المعروف الآن باسم (منوشاستر)، ويقسم هذا القانون أهل البلاد إلى أربع طبقات وهي:

(1) البراهمة: وهم طبقة الكهنة ورجال الدين، ولهم امتيازات وحقوق تضعهم في مصاف الآلهة عندهم.

(2) شترى: وهم طبقة العسكريين ورجال الحرب.

(3) الويش: وهم طبقة رجال التجارة والزراعة.

(4) الشودر: وهم المنبوذون والخدم، وهم عند البراهمة أحط من البهائم وأذل من الكلاب.

أما عن مكانة المرأة ووضعها داخل المجتمع الهندي فكانت مثل المتاع تباع وتشترى ولا حقوق لها بالكلية، وكان المجتمع الهندي قبل ظهور الإسلام زاخرًا بالشهوات والملذات المحرمة، وخاصة الشهوة الجنسية الجامحة حتى إنهم قد عبدوا جسد المرأة وصوروا مفاتنها في معابدهم، وكان كهنة المعابد وسدنتها من أفسق الناس وأفجرهم، وبالجملة كان المجتمع الهندي قبل الإسلام في حالة فوضى دينية وأخلاقية واجتماعية شاملة.

-* رحلة الإسلام داخل الهند:

عرف العرب بلاد الهند قبل الإسلام وخبروها جيدًا للروابط التجارية بين الطرفين، فلما تشرَّف العرب بالإسلام، وحملوا أمانة التكليف ومسئولية نشر الرسالة والدعوة في أرجاء المعمورة، فحملوا سيوفهم على عواتقهم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وكان أمام المسلمين عقبة كؤود قبل الوصول إلى بلاد الهند، وهي عقبة الدولة الفارسية، لذلك لم يكد المسلمون أن يقضوا على هذه العقبة حتى يمموا نواصي خيولهم ناحية بلاد الهند.

وصل المسلمون إلى بلاد الهند ووطئوا أرضها في أيام الراشدين وتحديدًا سنة 15 هـ أيام الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ، عندما أغار الحكم بن أبي العاص الثقفي على مدينة (تانه) شمال مدينة بومباي، ومن يومها أخذ المسلمون يغيرون على أطراف الهند مرة بعد مرة ولا يستقرون بأي بلد يغيرون عليه حتى استقرت أوضاع الدولة الأموية بعد صراعات داخلية طويلة، وفي سنة 89هـ بدأت أولى الحملات الكبرى على بلاد الهند حيث استطاع القائد محمد بن القاسم أن يفتح بلاد السند وقتل ملكها الغادر (داهر).

في أيام الدولة العباسية اهتزت مكانة المسلمين في الهند بسبب انتشار الأفكار الهدامة والعصبية القبلية التي اجتاحت بلاد ما وراء النهر، وقامت عدة إمارات مستقلة داخل الهند معظمها من الباطنية الإسماعيلية، واستمر هذا الوضع المفكك حتى ظهور الدولة الغزنوية وسلطانها الكبير محمود بن سبكتكين سنة 391هـ وقد نذر نفسه للجهاد في سبيل الله، فدخل بلاد الهند عن طريق ممر خيبر ففتح بلادًا واسعة لم يفتحها المسلمون من قبل، وهدم معبد (سومنات) وثن الهنود الأكبر وظلت الدولة الغزنوية تحكم الهند حتى سنة 555هـ، ثم قامت بعدها الدولة الغورية، وهي التي فتحت بلاد البنغال ودهلي، وأسسوا أول سلطنة إسلامية مستقرة وثابتة بالهند سنة 602هـ.

ثم تعاقبت الدول الإسلامية على حكم بلاد الهند مثل دولة (إيلتمش) من سنة 607هـ ـ 664هـ، ثم دولة (بلبن) من سنة 664هـ ـ 689هـ، ثم دولة الخلج من سنة 689هـ ـ 720هـ، ثم دولة آل تغلق 720هـ ـ 815هـ، ثم دولة آل خضر 815هـ ـ 855هـ، ثم دولة اللودي من سنة 855هـ ـ 932هـ، ولم تكن تلك الدول كلها تحكم بلاد الهند جميعًا ولكن قامت العديد من الإمارات الموازية في مناطق وأقاليم الهند الواسعة مثل كشمير والملتان والكوجرات والبنغال وجانبور وهضبة الدكن، وحكم الإسلام للهند في تلك الفترة أشبه ما يكون بحكم ملوك الطوائف بالأندلس، وقد لاقت تلك الدول نفس مصير دولة الطوائف بالأندلس، إذ ظهرت الأسرة المغولية بقيادة محمد بابر شاه سنة 932هـ، ووحدت الهند تحت راية واحدة، وقامت دولة المغول الإسلامية في الهند، وهي التي ظلت تحكم البلاد حتى سقوطها في قبضة الاحتلال الإنجليزي الديني.

وخلال رحلة الإسلام الطويلة والعميقة داخل بلاد الهند نجد أن المسلمين خلال تلك الفترة الطويلة، والتي بدأت مبكرًا جدًا أيام الراشدين (15هـ) قد ارتكبوا عدة أخطاء جسيمة أدت في النهاية لضياع دولة الإسلام في الهند، من أهم تلك الأخطاء:

1ـ عدم استقرار المسلمين في البلاد المفتوحة في الهند في أيام الغزوات الأولى، وحتى عندما فتحوا السند على يد محمد بن القاسم والمسلمون الأوائل كانوا أقدر الناس على الدعوة وأكثرهم فهمًا ودراية بالإسلام، مما أضاع الفرصة على المسلمين في إدخال أكبر قدر ممكن في الإسلام من الهنود الذين كانوا على الوثنية والضلال، والذين جاءوا من بعدهم من المسلمين واستقروا في الهند لم يكونوا مؤهلين للدعوة أو إرشاد الناس وبالتالي ظل الإسلام محصورًا في منطقة السند والبنجاب، وذلك لفترة طويلة.



2ـ جهل معظم الناس باللغة العربية التي هي لغة الشرع والوحيين، وذلك بسبب أعجمية معظم الفاتحين لبلاد الهند من أتراك ومغول وغيرهم، مما أفقد مسلمو الهند الفهم الصحيح والكامل لتعاليم الإسلام، وأفقدهم تذوق معاني القرآن وحقائق السنة.

3ـ أن الدول الإسلامية التي قامت بحكم بلاد الهند في أغلبها لم تحكم بالشريعة وبما أنزل الله عز وجل، وإنما كان أقصى مهامها السيطرة وضمان سكون رعية وكان أغلبهم من الهندوس، لذلك كان الحكام المسلمون يتركون الناس على عقائدهم الوثنية وشعائرهم الشركية، بل إن بعض حكام المسلمين مثل السلطان المغولي (جلال الدين أكبر) قد اخترع دينًا جديدًا مزج فيه بين الإسلام والهندوسية والنصرانية وحاول إجبار الناس على هذا الدين الجديد، وذلك كله إرضاءً للرعية والناس.

4ـ اشتعال الحروب الداخلية الطاحنة بين الحكام المسلمين والتي شغلت حيزًا كبيرًا من حياة تلك الدول والممالك الإسلامية، مما أدى لإهمال شئون الدعوة ونشر الإسلام، بل كان جل اهتمام الحكام وقتها كسب الولاءات وفرض الضرائب وعقد التحالفات مع الآخرين ولو كانوا من الكفار الأصليين.

5ـ معظم العلماء والدعاة الذين دخلوا بلاد الهند لخدمة نشر الدعوة والإسلام كانوا مدخلي العقيدة، مولعين بالفلسفة والتصوف والأفكار الهدامة مثل وحدة الوجود والحلول والاتحاد، وهي أفكار لاقت قبولاً عند متصوفة الهند مما جعلهم يقبلون على دخول الإسلام ولكن بنفس أفكارهم، فأصبحوا مسلمين ظاهرًا مشركين ضالين باطنًا، كما وجدت الفرق الضالة مثل الإسماعيلية والروافض موطئ قدم، وقامت عدة إمارات باطنية في الملتان والسند، بل قامت إمارة للقرامطة في الملتان في القرن الخامس الهجري.

والقضية الكلية والسبب الجامع لما ذكرناه يرجع لكون المسلمون فتحوا معظم بلاد الهند في وقت الضعف وتواهي الخلافة الإسلامية، فلم يتمكن المسلمون من نشر تعاليم الإسلام بصورة صحيحة وكاملة، مما جعل دولة الإسلام في الهند غير مستقرة، دائمة التقلب، ثوب ريادتها مليء بالثقوب والخروق، مما جعل الهندوس يقيمون لهم عدة ممالك قوية في جنوب الهند ناوأت دولة الإسلام في الشمال لفترة طويلة، وسهلت طريق الاحتلال في القضاء على الحكم الإسلامي لبلاد الهند.

-* البرتغاليون وبلاد الهند:

تعتبر بلاد الهند من أخصب بقاع العالم وأكثرها ثراءً بالموارد الطبيعية التي تجعل لعاب المحتلين الأوروبيين تسيل وبغزارة، ولكن ضخامة المساحة وكثافة السكان والطبيعة الجغرافية حالت دون تحقيق تلك الأطماع الصليبية على أرض الهند، وكانت ناحية الجنوب حيث المحيط الهندي هي الجهة الوحيدة التي يمكن النفوذ إلى بلاد الهند منها، وما غيرها من سبل دونه عقبات ودول وممالك كبيرة وقوية وأيضًا مسلمة كانت حتمًا ستحول دون الوصول إليها.

كان البرتغاليون هم أول من وصل إلى سواحل الهند من ناحية المحيط، وذلك خلال حركة الكشوف البحرية التي بدأت فور سقوط دولة الإسلام في الأندلس سنة 897هـ، وبالفعل وصل البحار البرتغالي الشهير (فاسكو دي جاما) إلى سواحل الهند عند إقليم الكوجرات سنة 904هـ، مكتشفًا بذلك طريقًا جديدًا للدوران حول العالم، وهو طريق رأس الرجاء الصالح، ورأى البحار البرتغالي من ثروات وخيرات البلاد ما جعله يعود مسرعًا إلى مليكه (إيمانويل الثاني) الملقب بالملاح لعنايته بالبحار والأساطيل، وأخبره بالكشف الجديد، فاستعد البرتغاليون لغزو بلاد الهند وحشدوا من أجل ذلك أمهر قادتهم وكل قوتهم البحرية.

كانت دولة الإسلام في الهند وقتها تعاني من ويلات الحروب الداخلية بين الممالك الإسلامية هناك، وسلطنة دهلي الإسلامية والتي تعتبر أكبر وأقوى الممالك الإسلامية وقتها، تعاني من صراع بين أمرائها على الحكم وأوضاعها الداخلية شديدة الاضطراب، وغيرها من الممالك الإسلامية ليس بأحسن حالاً منها، في حين استطاع الهندوس أن يقيموا لهم عدة ممالك قوية في جنوبي الهند ظلت شوكة في خاصرة دولة الإسلام في الهند.

استغل البرتغاليون تلك الأوضاع المضطربة داخل بلاد الهند وهجموا بأسطول كبير على إقليم الكوجرات، وهي شبه جزيرة تقع في غربي بلاد الهند، وذلك سنة 906هـ، وكانت مملكة الكوجرات تتبع سلطنة دهلي الإسلامية حتى سنة 840هـ، وبعدها استقلت وأصبحت مملكة خاصة مستقلة يحكمها أمراء أسرة مظفر شاه، وكان أمير الكوجرات وقت الهجوم الصليبي عليها اسمه (محمود باشا)، وحاول صد العدوان الغاشم عليه، ولكنه فوجئ بالتفاوت الكبير بين السلاح الهندي والبرتغالي، وبالفعل نجح البرتغاليون في احتلال عدة نقاط في سواحل الكوجرات.

نظرًا للصراعات القديمة بين سلطنة دهلي الإسلامية وسلطنة الكوجرات لم يستطع محمود شاه أن يستنجد بالسلطان إسكندر الثاني سلطان دهلي، ولكنه طلب العون من سلطان المماليك (قنصوة الغوري) وكان بين دولة المماليك والممالك الإسلامية في غرب الهند روابط وثيقة، وكان المماليك يتخوفون من القوة البحرية الناشئة للبرتغاليين وأيضًا من طموحاتهم الصليبية وخططهم الخبيثة تجاه العالم الإسلامي، وكان البرتغاليون قد وضعوا نصب أعينهم السيطرة على الممرات العالمية للتجارة ومنها موانئ البحر الأحمر والخليج العربي، كما ذكرنا في ثنايا الكلام على العدوان البرتغالي على جنوب الخليج العربي.

بالفعل أرسل قنصوة الغوري حملة بحرية بقيادة حسين الكردي سنة 914هـ اصطدمت بالأسطول البرتغالي عند جزيرة «ديو» وأنزلت به هزيمة منكرة دفعت البرتغاليين لحشد كل قواتهم البحرية، واستعانوا بأمهر قادتهم البحريين وهو الشيطان الطاغية (البوكيرك)، وأعادوا الاصطدام مع أسطول المماليك سنة 915هـ عند جزيرة «ديو» وفيها تحطم معظم الأسطول المملوكي، وهي الهزيمة التي قضت على القوة البحرية للمماليك، وخلت الساحة البحرية للبرتغاليين تمامًا في الخليج العربي والمحيط الهندي.

أقام البرتغاليون عدة مراكز لهم بالساحل ووجدوا في الإمارات الهندوسية في جنوبي الهند حليفًا وثيقًا ضد المسلمين، ولما برزت قوة الدولة العثمانية على ساحة الأحداث وورثت دولة المماليك في مصر والشام والحجاز، استنجد ملك الكوجرات (بهادور شاه) بالسلطان العثماني سليمان القانوني وذلك سنة 938هـ، ونجحت الإمدادات العثمانية بقيادة القائد مصطفى الرومي في هزيمة البرتغاليين عدة مرات، ولكن حدث قتال داخلي بين حاكم الكوجرات (بهادور شاه) وسلطان دولة المغول المسلمة في الهند (همايون بن محمد بابر شاه) سنة 941هـ، هذا القتال دفع بهادور شاه لئن يطلب العون من ألد أعدائه البرتغاليين، فوافقوا على الفور، فالقاتل والمقتول من المسلمين والخاسر دائمًا هو الأمة الإسلامية، واشترطوا عليه بناء قلعة حصينة لهم في جزيرة «ديو»، ولكن بعد قليل شعر (بهادور شاه) بفداحة خطأه وتصالح مع (همايون)، ودخل في حرب عنيفة ضد البرتغاليين سنة 943هـ، ولكنه هزم وقتل واحتل البرتغاليون جزيرة «ديو» كلها، فلما علم السلطان سليمان القانوني بما جرى أرسل أسطولاً كبيرًا من مصر عبر البحر الأحمر ثم الخليج العربي لطرد البرتغاليين نهائيًا من سواحل الهند، وضرب العثمانيون حصارًا قويًا على المراكز البرتغالية، ولكن وقع خلاف شديد بين ملك الكوجرات الجديد (محمود شاه) وبين قائد الحملة العثمانية (سليمان باشا)، بسبب بعض الوشايات التي لعبت بعقل محمود شاه، وأقنعته بأن العثمانيين يخططون للسيطرة على الكوجرات، فقطع محمود شاه المؤن عن العثمانيين مما أجبرهم على رفع الحصار ومغادرة الهند.

وهكذا نرى أن البرتغاليين ما وجدوا لهم موطئ قدم ببلاد الهند إلا بسبب الصراعات الداخلية بين الممالك الإسلامية، وسوء الظن الدائم والمتبادل بين حكام المسلمين، وأيضًا بسبب المساعدات الهندوسية من الجنوب، وكلها أمور وعوامل تضافرت من أجل استمرار الاحتلال البرتغالي لسواحل الهند الغربية طيلة قرن من الزمان [906هـ ـ 1009هـ] نهبوا خلالها خيرات البلاد وثرواتها باسم التجارة، غير أنهم لم يستطيعوا التوغل في الداخل الهندي لقلة عددهم أمام السكان وعدم قدرة جيوشهم البرية على منازلة جيوش المسلمين هناك، فالتفوق البرتغالي كان تفوقًا نوعيًا في البحر فقط دون البر، كما أن وحشيتهم الصليبية المعروفة وحقدهم التاريخي على المسلمين جعلهم لا يجاوزون مراكزهم البحرية التي تحكموا من خلالها بالتجارة العالمية لثروات الشرق كله، بل بلغت قوة البرتغاليين البحرية خلال تلك الفترة مبلغًا كبيرًا جعل السلطان (جلال الدين أكبر) وهو أكبر سلاطين الهند وبلغت دولة الإسلام في عهده أقصى اتساعها، جعلته يقدم موقع «دامان» الساحلي للبرتغاليين سنة 983هـ حتى لا يتعرضوا للأسرة الملكية أثناء رحلة أداء فريضة الحج، مما يوضح مدى سيطرة البرتغاليين على سواحل المحيط الهندي.

ذاعت شهرة الهند في البلدان الأوروبية وسال لعاب أباطرة الاستعمار وقتها ـ إنجلترا وفرنسا ـ وكان البرتغاليون قد تحكموا في تجارة الهند ورفعوا أسعار المنتجات واحتكروا تصديرها، فتبرمت الدول الأوروبية وقررت دخول ميدان المنافسة مع البرتغاليين، فدخل الهولنديون أولاً ثم الفرنسيون ثم الإنجليز.

ورغم تدهور أحوال الممالك الإسلامية وقتها ووقوع سواحل الهند تحت الاحتلال البرتغالي إلا إن مكانة السلاطين والملوك المسلمين كانت ما زالت باقية ونفوذهم بالداخل الهندي كبير وواسع، وأبرز دليل على ذلك إن ملك إنجلترا جيمس الأول أرسل رسولاً من عنده لمقابلة سلطان المسلمين الكبير (نور الدين محمد جهانكير) وذلك سنة 1608م ـ 1018هـ، فظل الرسول واسمه (وليم هوكنز) عامين في دهلي ولم يحظ بمقابلة السلطان، فلما ألح في أن يأخذ كتابًا منه يحمله إلى ملك إنجلترا، أجابه وزير السلطان بكل عزة وكرامة: «إن مما لا يناسب قدر ملك مغولي مسلم أن يكتب كتابًا إلى سيد جزيرة صغيرة يسكنها صيادون بائسون».


 
يارب الموضوع يعجبكم

تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق