المتغربون الجزائريون وأثرهم في التاريخ المعاصر
ظهور الجزائريين المتغربين كجماعة ضغط سياسي-*-*
تأسست حركة الإصلاح السياسي الجزائرية المقبلة بأيدي طالبين جزائريين، أحمد بوضربة، الذي أصبح أول جزائري يحصل على شهادة في القانون منذ الغزو الفرنسي في عام 1830 والصادق دندن وهو صحفي. فلم يكد الشابان يتمان دراستهما في فرنسا ويعودان إلى الجزائر في سنة 1910 حتى بدآ يفكران تفكيرا جديا في ممارسة السياسة. ومع ذلك لم يتيسر لهما إلا في عام 1912 مع جزائري ثالث يدعى الحاج عمر (عضو في المأموريات المالية الجزائرية ) تكوين "حزب الفتى الجزائري LE JEUNE ALGERIEN"، وألحقوا به جريدتين " الرشيد"، " والإسلام".
هذه الحركة التي لا توصف بأنها "حزب سياسي" بالمعنى الصحيح، قد ظهرت على مسرح السياسة الجزائرية في وقت الخدمة العسكرية الإجبارية. فقد أعلنت الحركة ـ على سبيل المثال ـ أنها مستعدة لتأييد قانون الخدمة العسكرية تأييدا تاما إذا كانت الحكومة الفرنسية مستعدة بدورها لأن تستجيب للمطالب الآتية :
ـ إنقاص مدة الخدمة العسكرية إلى سنتين
ـ طلب الخدمة من سن 21 بدلا من18
ـ إصلاح نظام العقوبات
ـ التمثيل الجاد والكافي في مجالس الجزائر وفي فرنسا
ـ توزيع ضرائبي عادل
ـ توزيع عادل لموارد الميزانية على مختلف عناصر السكان الجزائريين
وأتبعت الحركة هذه العريضة التي وقع عليها تسعة من الأعيان بعريضة ثانية ذات أسلوب أكثر دقة واعتدالا : "نلتمس من حكومة الجمهورية الفرنسية التي نعرف تماما ما تتصف به من عدل وإنصاف ورحمة أن تتفضل بمنحنا حق المواطن الفرنسي، مع الاحتفاظ بوضعنا الشخصي، وذلك عوضا عن ضريبة الدم المفروضة علينا ".
ولم يكن السياسيون الفرنسيون يهتمون بتهدئة مشاعر أحد، فيما عدا المستوطنين العنيدين بطبيعة الحال، ولذلك تجاهلوا ـ كالمعتاد ـ الجزائريين المتغربين، ومضوا في طريقهم، فأصدروا مرسومي: 3 فبراير1912 اللذين زادا عدد الشبان الجزائريين اللائقين الذين يطلبهم للخدمة العسكرية الجنرالات الفرنسيون الذين كانوا مثل سائر العسكريين الأوروبيين يتأهبون للحرب العالمية الأولى الوشيكة الاندلاع.
والظاهر أن الجزائريين المتغربين قد غضبوا وساءت حالتهم المعنوية بسبب موقف السياسيين الفرنسيين المتعنت الذي بدا لهم كما لو كان لطمة على وجوههم، ومن ثم اتخذوا موقفا عدوانيا غير عادي .
إن الافتراض بأن الأسلوب الحاد الذي استخدمه الجزائريون المتغربون إنما يعزى إلى تجربتهم الجديدة الفجة في ميدان الدعاية عن طريق الصحافة افتراض يدعو إلى النظر. وقد دهش الجزائريون المتغربون أنفسهم من اللهجة الخشنة التي اتسم بها تصرفهم، والتي لا بد أنها أثارت استياء الليبراليين، وتجلى ذلك في المقال الذي نشروه في صحيفة "الرشيد" بعد أسبوعين، وفيه إذلال لنفوسهم: "يسرنا أن نمتثل لضريبة الدم، ولكننا نطالب فقط نظير ذلك الحق في الجنسية الفرنسية" .
واعتقد الجزائريون المتغربون فوق ذلك أنهم قد يحصلون على فرصة سياسية أفضل إذ هم وثقوا صلتهم بـ"الوطن الأم" وركعوا تحت أقدامها، ومن ثم عينوا وفدا خاصا بعثوا به إلى باريس. وفشل الوفد ـ كما توقعنا ـ في الحصول حتى على "ترحيب من السياسيين الفرنسيين". ومع ذلك تمكنوا من الحصول على الوعد الغامض التالي من رئيس الوزارة الفرنسية بوانكاريه POINCARE :" يمكنكم أن تعودوا إلى بلدكم، وكونوا على ثقة من أن فرنسا ترحب بما تعتبرونه ترضيات مشروعات، وما نعتبره تعويضات عادلة عن الالتزامات الجديدة المفروضة عليكم" .
ومع ذلك فعلى الرغم من أن المستوطنين مازالوا مقتنعين بأن تجنيد آلاف الجزائريين الشباب اللائقين للخدمة العسكرية في الجيش الفرنسي يشكل تهديدا خطيرا للوجود الفرنسي في الجزائر، فإنهم حرصوا على ألا يرفضوا صراحة وجهارا مرسوم 3 فبراير1912 لأنهم لم يكونوا يريدون أن يظهروا كخونة في عيون مواطنيهم في فرنسا، خصوصا وأن السياسيين الفرنسيين كانوا يعدون الأخيرين للحرب العالمية الأولى التي تقترب. بعبارة أخرى أن المستوطنين الفرنسيين وجدوا أنفسهم الآن مضطرين إلى ترك معارضتهم السابقة لمسألة التجنيد، وتركيز كل هجومهم ضد الجزائريين المتغربين، والقليل من السياسيين الفرنسيين الطموحين الذين يعتبرون انضمام هؤلاء إلى الأسرة الفرنسية الكبيرة شكلا عادلا ومنصفا من التعويض عن الخدمات المطلوب منهم أداؤها لفرنسا. ولكي يقضوا على المطالب الطموحة أمروا"دماهم"في نطاق القسم العربي من المأموريات المالية الجزائرية أن يصدروا القرار التالي : "نريد أن يعلم الناس في فرنسا وفي البرلمان الفرنسي أن الوقت لم يحن لكي يطلب إخواننا في الدين أن يكونوا مواطنين فرنسيين. إنهم مازالوا، وسوف يظلون رعايا مخلصين لوطنهم المختار، وعلى استعداد لبذل دمائهم في سبيله والإسهام في قوته وعظمته" .
وإذ وجد الحاكم العام للجزائر نفسه مضطرا تحت ضغط المستوطنين لأن يعطي" تفسير المستوطنين للوعود التي قدمها السيد بوانكاريه POINCARE للجزائريين المتغربين، فإنه أكد من جانبه للمأموريات المالية الجزائرية (1912) : " إننا نرعى المصالح المادية والمعنوية للمواطنين طبقا لأمانيهم وللطبع الفرنسي، أما كل ما يقال بخلاف ذلك فإنه غير صحيح..." .
أما الشعب الجزائري الذي أحجم، لأسباب شرحناها من قبل، عن التصدي بالقوة للخدمة العسكرية الإجبارية التي فرضت عام 1908، فإنه اعتزم عندئذ، وربما نتيجة لعواصف الحرب العالمية الأولى التي تدنو سريعا، ألا يمتثل لمرسوم التجنيد الجديد الصادر في 3 فبراير 1912.
إن القلاقل كانت تنشب بين الفلاحين الجزائريين وبين رجال الشرطة الفرنسيين الذين كانوا يطوفون بالأقاليم ومعهم"الدمى" ذوي السمعة السيئة بحثا عن الشبان الجزائريين المطلوبين للخدمة العسكرية الذين يرفضون تقديم أنفسهم لمراكز التجنيد، وموقف التحدي الذي وقفه أحد كبار الجزائريين في قسنطينة محتجا بقوله: "في الإمكان زيادة الضرائب، وأخذ ما نملك، ولكننا لن نعطيهم أبناءنا" كل ذلك يشهد بالغضب والكرب اللذين استبدا بنفوس الشعب الجزائري في أعقاب صدور المرسوم المشار إليه. كتب أ. ديبون O.DEPOND: " لم يظهر الوطنيون من قبل مثل هذا العدوان حيال الاستعمار"، ومع ذلك يتجلى أحسن وأروع وصف للعداء الذي أظهره الشعب الجزائري ضد مرسوم التجنيد الصادر في 3 فبراير 1912 في الخطابين اللذين وقعا في أيدي الشرطة الفرنسية. كتب محرر الخطاب الأول ( 1914/12/01) : "اعتزمت كتابة قصة اجتماعية وتاريخية عن شعب الجزائر، وضروب العذاب والآلام التي قاساها، وقد قضى عليه الله أن يبقى مقيدا بأغلال الكفار". أما الخطاب الثاني (25/09/1914) الذي أرسله كاتب مجهول إلى شخصية إيطالية هامة ، فإنه أكثر وضوحا.
الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية
واستمر التذمر والتضايق في الجزائر في أعقاب مرسوم 3 فبراير 1912) طوال مدة الحرب، وبدا أنهما قد زودا الليبراليين الفرنسيين بالحجة المناسبة التي يريدونها لإقناع المجلس الوطني الفرنسي بأنه من مصلحة فرنسا الحيوية أن تجرى بعض الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية للشعب الجزائري أو على الأقل لعدد من الجزائريين المؤهلين. وكان الرجل الذي اصطفاه الليبراليون للدفاع عن قضية الجزائريين المتغربين أمام المجلس الوطني الفرنسي هو بطبيعة الحال جورج كليمنصو GEORGES CLEMENCEAU، وهو سياسي واقعي، يعلم تمام العلم أن عليه هو وسائر الليبراليين أن يكافحوا بقوة المعارضة الشديدة التي يبديها المستوطنون العنيدون. ومع ذلك كان كليمنصو GEORGES CLEMENCEAU واثقا من أنه يستطيع أن ينتزع من المجلس الوطني الفرنسي بعض الفتات من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية لعملاءه الليبراليين في الجزائر. ومن أجل هذا الغرض جمع هو وصديقه جورج لييج GEORGES LEYGUES بعض الإصلاحات القديمة المقترحة التي كان قد حفظها مجموعة من المستوطنين البرلمانية، وعرضاها باسم"لجان الشؤون الخارجية لمجلس النواب والشيوخ" على رئيس الوزراء السيد أرستيدنا. وأرسل كليمنصو CLEMENCEAU ولييج LEYGUESـ فضلا عن ذلك ـ خطابا مشتركا ( بتاريخ 25 نوفمبر 1915 ) إلى السيد بريان BRIAND ذكراه فيه بالوعود التي أعطتها الحكومة الفرنسية السابقة للجزائريين المتغربين.
وعرض كليمنصو CLEMENCEAU ولييج LEYGUES مشروعهما الإصلاحي على أرستيد بريان BRIAND ARISTIDE، ولكنهما اكتشفا مثلما اكتشف الكثير من السياسيين الليبراليين قبلهما، أن المستوطنين في الجزائر لا يعترفون بأية مصلحة خارج مصلحتهم المادية المباشرة. وعلى الرغم من تواضع قائمة الإصلاحات المقترحة، فقد نجحت قائمة المستوطنين البرلمانية التي لا تقهر في حفظها. وقدم ماريوس موتيه MARUIS MAUTET الذي أقام نفسه أبا للجزائريين المتغربين بجرأة شديدة مشروعه الخاص بالإصلاح إلى المجلس الوطني الفرنسي في أول مايو 1918ولكنه لم يكن أسعد حظا من كليمنصو ولبيج.
وعلى أي حال، فإن الهزائم المتوالية التي أصابت الليبيراليين، وأصبحت درسا نافعا لهم، بمعنى أنها جعلتهم يدركون أنه من الأفضل لهم أن يكفوا عن مناطحة المستوطنين الفرنسيين في الجزائر حتى تنتهي الحرب. غير أن الحرب التي غيرت وجه العالم أخذت زمنا أطول مما توقعه الكثير من الشعوب. وكان لضراوتها وطولها تأثير عميق على الشعب الجزائري، مثلما كان على سائر شعوب العالم، فقد التهمت 25000 جنديا جزائريا، وجرحت وشوهت آلافا أخرى. أما الوضع الاقتصادي للشعب الجزائري الذي كان سيئا قبل الحرب، فإنه ازداد سوءا بسبب قانون التجنيد الذي حرم المجتمع الجزائري من ألوف الشبان الجزائريين القادرين الذين كانوا يمثلون قبل الحرب عاملا اقتصاديا هاما في أسرة الفلاح الجزائري المتوسط .
وغني عن القول بأن التضحيات الهائلة التي اضطر الشعب الجزائري تحت ضغط قاهر إلى بذلها باسم فرنسا لم يكن لها من أثر سوى أنها حفزت الشراهة والأطماع السياسية في نفوس الجزائريين المتغربين، لدرجة أدت بهم إلى الاعتقاد ( بسبب النتائج السياسية والاقتصادية والاجتماعية المشئومة المترقبة على الحرب، والتي أصبحوا الآن يواجهونها) بأن الشعب الجزائري لم يعد له بد من التخلي عن كفاحه الضاري العميق الجذور ضد نظرية الامتصاص، وأن يقبلوا زعامتهم ـ أي زعامة الجزائريين المتغربين ـ ضد أعدائهم الحقيقيين، المستوطنين العنيدين. ومع ذلك، ورغم أن الجزائريين السياسين أصحاب"المساواة والإخاء" هو بالفعل تعبير إنساني واقعي يمكن تحقيقه، وأن اللوم في عدم تطبيقه في الجزائر يوجه إلى المستوطنين، وليست فرنسا هي الملومة، فإنهم مازالوا في حاجة ماسة إلى زعيم يقودهم إلى "أرض الميعاد" المسماة "الوطن الفرنسي"، كما يحكى أن موسى قاد بني جلدته بعيدا عن فرعون الخبيث.
وإلى هذا "المسيح" الذي ينتظره الجزائريون المتغربون، نحول الآن أنظارنا لنرى كيف حاول أن يستخدم جثث الألوف من الشبان الجزائريين القتلى (والتعبير هنا مجازي )، والعذاب البدني الذي قاساه الألوف من إخوانهم الجرحى والمشوهين، ليقيم قنطرة سياسية كان يأمل أن يجتازها مع إخوانه الجزائريين المتغربين لينضم معهم إلى "الأسرة الفرنسية" الكبيرة. (يتبع)
الحلقة القادمة: "المسيح" السياسي الذي طال انتظاره!
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ظهور الجزائريين المتغربين كجماعة ضغط سياسي-*-*
تأسست حركة الإصلاح السياسي الجزائرية المقبلة بأيدي طالبين جزائريين، أحمد بوضربة، الذي أصبح أول جزائري يحصل على شهادة في القانون منذ الغزو الفرنسي في عام 1830 والصادق دندن وهو صحفي. فلم يكد الشابان يتمان دراستهما في فرنسا ويعودان إلى الجزائر في سنة 1910 حتى بدآ يفكران تفكيرا جديا في ممارسة السياسة. ومع ذلك لم يتيسر لهما إلا في عام 1912 مع جزائري ثالث يدعى الحاج عمر (عضو في المأموريات المالية الجزائرية ) تكوين "حزب الفتى الجزائري LE JEUNE ALGERIEN"، وألحقوا به جريدتين " الرشيد"، " والإسلام".
هذه الحركة التي لا توصف بأنها "حزب سياسي" بالمعنى الصحيح، قد ظهرت على مسرح السياسة الجزائرية في وقت الخدمة العسكرية الإجبارية. فقد أعلنت الحركة ـ على سبيل المثال ـ أنها مستعدة لتأييد قانون الخدمة العسكرية تأييدا تاما إذا كانت الحكومة الفرنسية مستعدة بدورها لأن تستجيب للمطالب الآتية :
ـ إنقاص مدة الخدمة العسكرية إلى سنتين
ـ طلب الخدمة من سن 21 بدلا من18
ـ إصلاح نظام العقوبات
ـ التمثيل الجاد والكافي في مجالس الجزائر وفي فرنسا
ـ توزيع ضرائبي عادل
ـ توزيع عادل لموارد الميزانية على مختلف عناصر السكان الجزائريين
وأتبعت الحركة هذه العريضة التي وقع عليها تسعة من الأعيان بعريضة ثانية ذات أسلوب أكثر دقة واعتدالا : "نلتمس من حكومة الجمهورية الفرنسية التي نعرف تماما ما تتصف به من عدل وإنصاف ورحمة أن تتفضل بمنحنا حق المواطن الفرنسي، مع الاحتفاظ بوضعنا الشخصي، وذلك عوضا عن ضريبة الدم المفروضة علينا ".
ولم يكن السياسيون الفرنسيون يهتمون بتهدئة مشاعر أحد، فيما عدا المستوطنين العنيدين بطبيعة الحال، ولذلك تجاهلوا ـ كالمعتاد ـ الجزائريين المتغربين، ومضوا في طريقهم، فأصدروا مرسومي: 3 فبراير1912 اللذين زادا عدد الشبان الجزائريين اللائقين الذين يطلبهم للخدمة العسكرية الجنرالات الفرنسيون الذين كانوا مثل سائر العسكريين الأوروبيين يتأهبون للحرب العالمية الأولى الوشيكة الاندلاع.
والظاهر أن الجزائريين المتغربين قد غضبوا وساءت حالتهم المعنوية بسبب موقف السياسيين الفرنسيين المتعنت الذي بدا لهم كما لو كان لطمة على وجوههم، ومن ثم اتخذوا موقفا عدوانيا غير عادي .
إن الافتراض بأن الأسلوب الحاد الذي استخدمه الجزائريون المتغربون إنما يعزى إلى تجربتهم الجديدة الفجة في ميدان الدعاية عن طريق الصحافة افتراض يدعو إلى النظر. وقد دهش الجزائريون المتغربون أنفسهم من اللهجة الخشنة التي اتسم بها تصرفهم، والتي لا بد أنها أثارت استياء الليبراليين، وتجلى ذلك في المقال الذي نشروه في صحيفة "الرشيد" بعد أسبوعين، وفيه إذلال لنفوسهم: "يسرنا أن نمتثل لضريبة الدم، ولكننا نطالب فقط نظير ذلك الحق في الجنسية الفرنسية" .
واعتقد الجزائريون المتغربون فوق ذلك أنهم قد يحصلون على فرصة سياسية أفضل إذ هم وثقوا صلتهم بـ"الوطن الأم" وركعوا تحت أقدامها، ومن ثم عينوا وفدا خاصا بعثوا به إلى باريس. وفشل الوفد ـ كما توقعنا ـ في الحصول حتى على "ترحيب من السياسيين الفرنسيين". ومع ذلك تمكنوا من الحصول على الوعد الغامض التالي من رئيس الوزارة الفرنسية بوانكاريه POINCARE :" يمكنكم أن تعودوا إلى بلدكم، وكونوا على ثقة من أن فرنسا ترحب بما تعتبرونه ترضيات مشروعات، وما نعتبره تعويضات عادلة عن الالتزامات الجديدة المفروضة عليكم" .
ومع ذلك فعلى الرغم من أن المستوطنين مازالوا مقتنعين بأن تجنيد آلاف الجزائريين الشباب اللائقين للخدمة العسكرية في الجيش الفرنسي يشكل تهديدا خطيرا للوجود الفرنسي في الجزائر، فإنهم حرصوا على ألا يرفضوا صراحة وجهارا مرسوم 3 فبراير1912 لأنهم لم يكونوا يريدون أن يظهروا كخونة في عيون مواطنيهم في فرنسا، خصوصا وأن السياسيين الفرنسيين كانوا يعدون الأخيرين للحرب العالمية الأولى التي تقترب. بعبارة أخرى أن المستوطنين الفرنسيين وجدوا أنفسهم الآن مضطرين إلى ترك معارضتهم السابقة لمسألة التجنيد، وتركيز كل هجومهم ضد الجزائريين المتغربين، والقليل من السياسيين الفرنسيين الطموحين الذين يعتبرون انضمام هؤلاء إلى الأسرة الفرنسية الكبيرة شكلا عادلا ومنصفا من التعويض عن الخدمات المطلوب منهم أداؤها لفرنسا. ولكي يقضوا على المطالب الطموحة أمروا"دماهم"في نطاق القسم العربي من المأموريات المالية الجزائرية أن يصدروا القرار التالي : "نريد أن يعلم الناس في فرنسا وفي البرلمان الفرنسي أن الوقت لم يحن لكي يطلب إخواننا في الدين أن يكونوا مواطنين فرنسيين. إنهم مازالوا، وسوف يظلون رعايا مخلصين لوطنهم المختار، وعلى استعداد لبذل دمائهم في سبيله والإسهام في قوته وعظمته" .
وإذ وجد الحاكم العام للجزائر نفسه مضطرا تحت ضغط المستوطنين لأن يعطي" تفسير المستوطنين للوعود التي قدمها السيد بوانكاريه POINCARE للجزائريين المتغربين، فإنه أكد من جانبه للمأموريات المالية الجزائرية (1912) : " إننا نرعى المصالح المادية والمعنوية للمواطنين طبقا لأمانيهم وللطبع الفرنسي، أما كل ما يقال بخلاف ذلك فإنه غير صحيح..." .
أما الشعب الجزائري الذي أحجم، لأسباب شرحناها من قبل، عن التصدي بالقوة للخدمة العسكرية الإجبارية التي فرضت عام 1908، فإنه اعتزم عندئذ، وربما نتيجة لعواصف الحرب العالمية الأولى التي تدنو سريعا، ألا يمتثل لمرسوم التجنيد الجديد الصادر في 3 فبراير 1912.
إن القلاقل كانت تنشب بين الفلاحين الجزائريين وبين رجال الشرطة الفرنسيين الذين كانوا يطوفون بالأقاليم ومعهم"الدمى" ذوي السمعة السيئة بحثا عن الشبان الجزائريين المطلوبين للخدمة العسكرية الذين يرفضون تقديم أنفسهم لمراكز التجنيد، وموقف التحدي الذي وقفه أحد كبار الجزائريين في قسنطينة محتجا بقوله: "في الإمكان زيادة الضرائب، وأخذ ما نملك، ولكننا لن نعطيهم أبناءنا" كل ذلك يشهد بالغضب والكرب اللذين استبدا بنفوس الشعب الجزائري في أعقاب صدور المرسوم المشار إليه. كتب أ. ديبون O.DEPOND: " لم يظهر الوطنيون من قبل مثل هذا العدوان حيال الاستعمار"، ومع ذلك يتجلى أحسن وأروع وصف للعداء الذي أظهره الشعب الجزائري ضد مرسوم التجنيد الصادر في 3 فبراير 1912 في الخطابين اللذين وقعا في أيدي الشرطة الفرنسية. كتب محرر الخطاب الأول ( 1914/12/01) : "اعتزمت كتابة قصة اجتماعية وتاريخية عن شعب الجزائر، وضروب العذاب والآلام التي قاساها، وقد قضى عليه الله أن يبقى مقيدا بأغلال الكفار". أما الخطاب الثاني (25/09/1914) الذي أرسله كاتب مجهول إلى شخصية إيطالية هامة ، فإنه أكثر وضوحا.
الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية
واستمر التذمر والتضايق في الجزائر في أعقاب مرسوم 3 فبراير 1912) طوال مدة الحرب، وبدا أنهما قد زودا الليبراليين الفرنسيين بالحجة المناسبة التي يريدونها لإقناع المجلس الوطني الفرنسي بأنه من مصلحة فرنسا الحيوية أن تجرى بعض الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية للشعب الجزائري أو على الأقل لعدد من الجزائريين المؤهلين. وكان الرجل الذي اصطفاه الليبراليون للدفاع عن قضية الجزائريين المتغربين أمام المجلس الوطني الفرنسي هو بطبيعة الحال جورج كليمنصو GEORGES CLEMENCEAU، وهو سياسي واقعي، يعلم تمام العلم أن عليه هو وسائر الليبراليين أن يكافحوا بقوة المعارضة الشديدة التي يبديها المستوطنون العنيدون. ومع ذلك كان كليمنصو GEORGES CLEMENCEAU واثقا من أنه يستطيع أن ينتزع من المجلس الوطني الفرنسي بعض الفتات من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية لعملاءه الليبراليين في الجزائر. ومن أجل هذا الغرض جمع هو وصديقه جورج لييج GEORGES LEYGUES بعض الإصلاحات القديمة المقترحة التي كان قد حفظها مجموعة من المستوطنين البرلمانية، وعرضاها باسم"لجان الشؤون الخارجية لمجلس النواب والشيوخ" على رئيس الوزراء السيد أرستيدنا. وأرسل كليمنصو CLEMENCEAU ولييج LEYGUESـ فضلا عن ذلك ـ خطابا مشتركا ( بتاريخ 25 نوفمبر 1915 ) إلى السيد بريان BRIAND ذكراه فيه بالوعود التي أعطتها الحكومة الفرنسية السابقة للجزائريين المتغربين.
وعرض كليمنصو CLEMENCEAU ولييج LEYGUES مشروعهما الإصلاحي على أرستيد بريان BRIAND ARISTIDE، ولكنهما اكتشفا مثلما اكتشف الكثير من السياسيين الليبراليين قبلهما، أن المستوطنين في الجزائر لا يعترفون بأية مصلحة خارج مصلحتهم المادية المباشرة. وعلى الرغم من تواضع قائمة الإصلاحات المقترحة، فقد نجحت قائمة المستوطنين البرلمانية التي لا تقهر في حفظها. وقدم ماريوس موتيه MARUIS MAUTET الذي أقام نفسه أبا للجزائريين المتغربين بجرأة شديدة مشروعه الخاص بالإصلاح إلى المجلس الوطني الفرنسي في أول مايو 1918ولكنه لم يكن أسعد حظا من كليمنصو ولبيج.
وعلى أي حال، فإن الهزائم المتوالية التي أصابت الليبيراليين، وأصبحت درسا نافعا لهم، بمعنى أنها جعلتهم يدركون أنه من الأفضل لهم أن يكفوا عن مناطحة المستوطنين الفرنسيين في الجزائر حتى تنتهي الحرب. غير أن الحرب التي غيرت وجه العالم أخذت زمنا أطول مما توقعه الكثير من الشعوب. وكان لضراوتها وطولها تأثير عميق على الشعب الجزائري، مثلما كان على سائر شعوب العالم، فقد التهمت 25000 جنديا جزائريا، وجرحت وشوهت آلافا أخرى. أما الوضع الاقتصادي للشعب الجزائري الذي كان سيئا قبل الحرب، فإنه ازداد سوءا بسبب قانون التجنيد الذي حرم المجتمع الجزائري من ألوف الشبان الجزائريين القادرين الذين كانوا يمثلون قبل الحرب عاملا اقتصاديا هاما في أسرة الفلاح الجزائري المتوسط .
وغني عن القول بأن التضحيات الهائلة التي اضطر الشعب الجزائري تحت ضغط قاهر إلى بذلها باسم فرنسا لم يكن لها من أثر سوى أنها حفزت الشراهة والأطماع السياسية في نفوس الجزائريين المتغربين، لدرجة أدت بهم إلى الاعتقاد ( بسبب النتائج السياسية والاقتصادية والاجتماعية المشئومة المترقبة على الحرب، والتي أصبحوا الآن يواجهونها) بأن الشعب الجزائري لم يعد له بد من التخلي عن كفاحه الضاري العميق الجذور ضد نظرية الامتصاص، وأن يقبلوا زعامتهم ـ أي زعامة الجزائريين المتغربين ـ ضد أعدائهم الحقيقيين، المستوطنين العنيدين. ومع ذلك، ورغم أن الجزائريين السياسين أصحاب"المساواة والإخاء" هو بالفعل تعبير إنساني واقعي يمكن تحقيقه، وأن اللوم في عدم تطبيقه في الجزائر يوجه إلى المستوطنين، وليست فرنسا هي الملومة، فإنهم مازالوا في حاجة ماسة إلى زعيم يقودهم إلى "أرض الميعاد" المسماة "الوطن الفرنسي"، كما يحكى أن موسى قاد بني جلدته بعيدا عن فرعون الخبيث.
وإلى هذا "المسيح" الذي ينتظره الجزائريون المتغربون، نحول الآن أنظارنا لنرى كيف حاول أن يستخدم جثث الألوف من الشبان الجزائريين القتلى (والتعبير هنا مجازي )، والعذاب البدني الذي قاساه الألوف من إخوانهم الجرحى والمشوهين، ليقيم قنطرة سياسية كان يأمل أن يجتازها مع إخوانه الجزائريين المتغربين لينضم معهم إلى "الأسرة الفرنسية" الكبيرة. (يتبع)
الحلقة القادمة: "المسيح" السياسي الذي طال انتظاره!
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق