موقعة مرج الصفر وشهامة النساء الصحابيات
كتب: د / أحمد عبد الحميد عبد الحق-*
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين ، وبعد ..
فكثيرة تلك المعارك التي خاضها المسلمون ، وأظهرت فيها المرأة المسلمة شهامة وشجاعة نادرة ، ومن تلك المعارك معركة مرج الصفر التي كانت من أولى المعارك التي درات بين المسلمين والروم لفتح بلاد الشام (حيث جاءت في الترتيب بعد فحل وأجنادين على أرجح الآراء ) فقد سحب أبو بكر الصديق عدة فيالق من جيشه في العراق بعد الفراغ من فتح بلاد الحيرة وأرسل بهم تجاه الشام ؛ لأنه رضي الله عنه ربما كان يريد أن يكون توسع المسلمين دائريا تجاه الأعداء المحيطين بدولة الإسلام ، ولا يتوغل في جهة ويترك الجهة الأخرى فارغة يمكن أن ينفد منه عدوه بها إليه ، وهذه عبقرية فطرية تميز بها هو ومن معه من قادة المسلمين حوله ..
وعين رضي الله عنه على تلك الفيالق مجموعة من الأمراء ، وحدد لكل أمير جهة يتوغل فيها ويفتح بلادها ، وكان من بين هؤلاء الأمراء خالد بن سعيد بن العاص الذي أرسله إلى تيماء، وأمره أن ينزل بها وألا يبرحها ، وأن يدعو من حولها إلى الانضمام إليه، وألا يقبل في جيشه من سبقت ردته ، ولا يقاتل إلا من قتله حتى يأتيه أمره.
فأقام خالد بن سعيد بتيماء حتى اجتمع إليه جموع كثيرة ؛ وبلغ الروم أمره ، فحشدوا لهم الجموع من عرب الشام غير المسلمين : من بهراء وكلب وسليح وتنوخ ولخم وجذام وغسان ليقاتلوه بها ؛ فكتب إلى أبي بكر يعلمه بذلك ؛ فكتب إليه أبو بكر: أن أقدم ولا تحجم واستنصر الله عليهم ؛ فسار خالد بمن معه ، فلما دنا منهم تفرقوا عنه منهزمين وتركوا مكانهم ، بل ودخل أكثرهم في الإسلام ؛ فكتب إلى أبي بكر بتلك البشارة فكتب إليه أبو بكر: أقدم ولا تقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك.
ولكن حلاوة النصر أغرته بالتقدم والاندفاع حتى نسي وصية الصديق التي ذكره بها مرارا " أقدم ولا تقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك " وبينما هو يتوغل فيما بين آبل وزيزاء والقسطل سار من خلفه بطريق من بطارقة الروم، يدعى بدهان فطوقه حتى انهزم بجيشه ..
وكتب إلى الصديق يستشيره فيما حل به ويستنصره بالمدد ، فاهتم الصديق لذلك الأمر ، وأراد ان يوجه ضربه قاسمة للروم تنسيهم بها ذكرى هذا النصر الخاطف ، وتنزع من المسلمين الهيبة من الروم ، فأرسل إلى قادته المشهورين بالفضل يحشدهم كلهم لمعركة حاسمة ، ومن ضمن من حشدهم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان ، ثم كان اللقاء في مرج الصفر ( وهو مرج في غوطة دمشق ) وبالتحديد على النهر وعند الطاحونة التي كان أهل دمشق يعتمدون عليها في طحينهم .
وانضم خالد بن سعيد بفلوله إلى الجيش الجديد ، وقبيل بدء القتال تزوج بأم حكيم ليخفف عنها مصابها في زوجها السابق عكرمة بن أبي جهل ، فجعلت تقول له : لو أخرت الدخول حتى يفض الله هذه الجموع، تقصد جموع الروم ، فقال لها : إن نفسي تحدثني أني أصاب في جموعهم فرقت له وقالت : فدونك !! فأعرس بها عند القنطرة التي بالصفر، والتي سميت بعد ذلك بقنطرة أم حكيم ، وأعد وليمة زواجه فدعا أصحابه على طعامها ، فما فرغوا من الطعام حتى صفت الروم صفوفها صفوفاً خلف صفوف، واستحر القتال حتى صار لا يُسمع إلا وقع السيوف على الحديد وهام الرجال وأبدانهم ، وجرت الدماء المسالة من قتلى الروم في مياه النهر ، وطحنت بها الطاحونة.. ولم يجد جند الروم أمام ذلك إلا الفرار فصاروا لا يلوون على شيء، حتى أتوا دمشق وبيت المقدس.
وأعود إلى خالد بن سعيد وزوجه فأقول : إنه قاتل قتلا شديد حتى استشهد وصدق حدسه ، وعندها علا الغيظ أم حكيم على هؤلاء الروم الذين لم يتركوها تنعم بزوجها الثاني حتى ألحقوه شهيدا بالأول فشدت عليها ثيابها ، وحملت عمودا من أعمدة الخيمة التي عرس بها فيها فقتلت به سبعة من جنود الروم.
ولا يدري الإنسان من أي يعجب ؟ هل من فراسة خالد بن سعيد الذي أحس بدنو الشهادة منه قبل أن يحين أجله ؟ أمن رسوخ إيمان تلك المرأة التي لم تنطلق تولول على وفاة زوجها الذي لم يمكث معها سوى سبعة ليال ؟ أم من شجاعتها ورباطة بأسها ، إذ تمكنت من قتل سبعة من الأعداء ، وليس بالسيف القاطع وإنما بعمود خشبي ..
وإذ كانت نساء المسلمين من تلك النوعية فلا عجب ألا يمر عليهم نصف قرن حتى تهيمن قواتهم على شمال أوربا حيث الأندلس ( التي كانت تضم إسبانيا والبرتغال وجزءا من فرنسا ) وإلى أعماق الهند والصين حيث ملكوا بهما مئات البلاد ..
ويوم أن تعود تلك الصفة لنسائنا فسيكون لنا نصيب من هذا المجد ، أما إذا كان حظهن من الحياة هو التزاحم على معارض الأزياء أو محلات العطور أو صالونات التزين فسيكون الطريق أمامنا طويلا جد طويل ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-*مدير تحرير موقع التاريخ الالكتروني
المصدر : موقع التاريخ
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
كتب: د / أحمد عبد الحميد عبد الحق-*
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين ، وبعد ..
فكثيرة تلك المعارك التي خاضها المسلمون ، وأظهرت فيها المرأة المسلمة شهامة وشجاعة نادرة ، ومن تلك المعارك معركة مرج الصفر التي كانت من أولى المعارك التي درات بين المسلمين والروم لفتح بلاد الشام (حيث جاءت في الترتيب بعد فحل وأجنادين على أرجح الآراء ) فقد سحب أبو بكر الصديق عدة فيالق من جيشه في العراق بعد الفراغ من فتح بلاد الحيرة وأرسل بهم تجاه الشام ؛ لأنه رضي الله عنه ربما كان يريد أن يكون توسع المسلمين دائريا تجاه الأعداء المحيطين بدولة الإسلام ، ولا يتوغل في جهة ويترك الجهة الأخرى فارغة يمكن أن ينفد منه عدوه بها إليه ، وهذه عبقرية فطرية تميز بها هو ومن معه من قادة المسلمين حوله ..
وعين رضي الله عنه على تلك الفيالق مجموعة من الأمراء ، وحدد لكل أمير جهة يتوغل فيها ويفتح بلادها ، وكان من بين هؤلاء الأمراء خالد بن سعيد بن العاص الذي أرسله إلى تيماء، وأمره أن ينزل بها وألا يبرحها ، وأن يدعو من حولها إلى الانضمام إليه، وألا يقبل في جيشه من سبقت ردته ، ولا يقاتل إلا من قتله حتى يأتيه أمره.
فأقام خالد بن سعيد بتيماء حتى اجتمع إليه جموع كثيرة ؛ وبلغ الروم أمره ، فحشدوا لهم الجموع من عرب الشام غير المسلمين : من بهراء وكلب وسليح وتنوخ ولخم وجذام وغسان ليقاتلوه بها ؛ فكتب إلى أبي بكر يعلمه بذلك ؛ فكتب إليه أبو بكر: أن أقدم ولا تحجم واستنصر الله عليهم ؛ فسار خالد بمن معه ، فلما دنا منهم تفرقوا عنه منهزمين وتركوا مكانهم ، بل ودخل أكثرهم في الإسلام ؛ فكتب إلى أبي بكر بتلك البشارة فكتب إليه أبو بكر: أقدم ولا تقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك.
ولكن حلاوة النصر أغرته بالتقدم والاندفاع حتى نسي وصية الصديق التي ذكره بها مرارا " أقدم ولا تقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك " وبينما هو يتوغل فيما بين آبل وزيزاء والقسطل سار من خلفه بطريق من بطارقة الروم، يدعى بدهان فطوقه حتى انهزم بجيشه ..
وكتب إلى الصديق يستشيره فيما حل به ويستنصره بالمدد ، فاهتم الصديق لذلك الأمر ، وأراد ان يوجه ضربه قاسمة للروم تنسيهم بها ذكرى هذا النصر الخاطف ، وتنزع من المسلمين الهيبة من الروم ، فأرسل إلى قادته المشهورين بالفضل يحشدهم كلهم لمعركة حاسمة ، ومن ضمن من حشدهم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان ، ثم كان اللقاء في مرج الصفر ( وهو مرج في غوطة دمشق ) وبالتحديد على النهر وعند الطاحونة التي كان أهل دمشق يعتمدون عليها في طحينهم .
وانضم خالد بن سعيد بفلوله إلى الجيش الجديد ، وقبيل بدء القتال تزوج بأم حكيم ليخفف عنها مصابها في زوجها السابق عكرمة بن أبي جهل ، فجعلت تقول له : لو أخرت الدخول حتى يفض الله هذه الجموع، تقصد جموع الروم ، فقال لها : إن نفسي تحدثني أني أصاب في جموعهم فرقت له وقالت : فدونك !! فأعرس بها عند القنطرة التي بالصفر، والتي سميت بعد ذلك بقنطرة أم حكيم ، وأعد وليمة زواجه فدعا أصحابه على طعامها ، فما فرغوا من الطعام حتى صفت الروم صفوفها صفوفاً خلف صفوف، واستحر القتال حتى صار لا يُسمع إلا وقع السيوف على الحديد وهام الرجال وأبدانهم ، وجرت الدماء المسالة من قتلى الروم في مياه النهر ، وطحنت بها الطاحونة.. ولم يجد جند الروم أمام ذلك إلا الفرار فصاروا لا يلوون على شيء، حتى أتوا دمشق وبيت المقدس.
وأعود إلى خالد بن سعيد وزوجه فأقول : إنه قاتل قتلا شديد حتى استشهد وصدق حدسه ، وعندها علا الغيظ أم حكيم على هؤلاء الروم الذين لم يتركوها تنعم بزوجها الثاني حتى ألحقوه شهيدا بالأول فشدت عليها ثيابها ، وحملت عمودا من أعمدة الخيمة التي عرس بها فيها فقتلت به سبعة من جنود الروم.
ولا يدري الإنسان من أي يعجب ؟ هل من فراسة خالد بن سعيد الذي أحس بدنو الشهادة منه قبل أن يحين أجله ؟ أمن رسوخ إيمان تلك المرأة التي لم تنطلق تولول على وفاة زوجها الذي لم يمكث معها سوى سبعة ليال ؟ أم من شجاعتها ورباطة بأسها ، إذ تمكنت من قتل سبعة من الأعداء ، وليس بالسيف القاطع وإنما بعمود خشبي ..
وإذ كانت نساء المسلمين من تلك النوعية فلا عجب ألا يمر عليهم نصف قرن حتى تهيمن قواتهم على شمال أوربا حيث الأندلس ( التي كانت تضم إسبانيا والبرتغال وجزءا من فرنسا ) وإلى أعماق الهند والصين حيث ملكوا بهما مئات البلاد ..
ويوم أن تعود تلك الصفة لنسائنا فسيكون لنا نصيب من هذا المجد ، أما إذا كان حظهن من الحياة هو التزاحم على معارض الأزياء أو محلات العطور أو صالونات التزين فسيكون الطريق أمامنا طويلا جد طويل ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-*مدير تحرير موقع التاريخ الالكتروني
المصدر : موقع التاريخ
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق