مصــر فى العصـر الرومانى 3 سياسه أغسطس قيصر مصر سُتطعم روما
العوامل التى املت على اوكتافيانوس سياسته ازاء مصر :
http://faustula.free.fr/empereurs/Auguste.jpg
لم يكن اوكتافيانوس يستطيع ان يمكث فى مصر وقتا طويلا . كان عليه أن يسرع بالعودة الى روما ليتصدى لمشكلات عديدة تراكمت هناك عبر سنوات طويلة من الحرب الاهلية بلغت نحو نصف قرن من الزمان ، وأولها مشكلة بناء الدولة فى ظل نظام سياسى وادارى جديد ،لأن النظام الجمهورى القديم كان فى حقيقة الامر قد تفسخ بعد أن انهار الدستور تحت وطأة سلسلة متتالية من الانتهاكات التى كان يتعرض لها بالضرورة فى خلال تلك الحروب الاهلية . وقد كانت هناك أيضا مشكلة تنظيم الولايات الرومانية التى كانت اكثر حكوماتها قد فسدت ، هذا فضلا عن مشكلة الانهيار الخلقى والاجتماعى العام فى روما . غير أنه كان على اوكتافيانوس فى خلال الوقت الذى كان متاحا له للبقاء فى مصر أن يقوم ببعض الاجراءات لمواجهة احتياجات البلاد العاجلة ، وبالرغم من اننا نفتقر الى المعلومات الكافية عن تلك الاجراءات العاجلة ، فلسنا نشك فى انها كانت تصدر عن سياسة محددة رسمتها الاهداف التى أراد الزعيم الرومانى أن يحققها لروما من مصر. وقد اكتملت صورة هذه السياسة فى السنوات التالية من حكم اوكتافيانوس (الذى سيحمل بعد سقوط مصر بقليل لقب اوغسطس) بحيث أصبحت سياسة ثابتة نحو مصر سار عليها هو طوال سنين حكمه الطويل ، كما أنها ارست قواعد السياسة التى اتبعها خلفاؤه من الأباطرة الرومان أزاء مصر لفترة طويلة من تاريخها .
اهمية الموارد المصرية:
وقد نتسائل فى البداية عن العتبارات التى تأثر بها اوغسطس وهو يرسم سياستة ازاء مصر. وقد كان اول هذه الاعتبارات دون شك هو اهتمامه بضمان أقصى قدر ممكن من موارد مصر الغنية ليكون مصدرا دائما يعتد به لدخل روما . والواقع ان هذا الهدف المادر للحكم الرومانى فى مصر كان ظاهرا منذ البداية ، بل لعله قد ظهر لنا حتى قبل أن تدخل مصر فى حوزة الرومان ، ولا غرو ، فمصر كانت أغنى ماضمته روما اليها من اقاليم حتى ذلك الوقت ، ومواردها الوفيرة ، من القمح على وجه الخصوص هى التى جعلت لها أهمية خاصة بين ولايات الامبراطورية ، حقا ان روما كانت تستطيع أن تحصل على القمح من ولايات أخرى مثل ، ولاية افريقيا و صقلية و سردينيا ، لكن مصر كانت اكبر هذه البلاد انتاجا منه . ولما كانت زراعة القمح قد اهملت منذ حين كانت ثمة حقيقة يعرفها دارسو التاريخ الرومانى ويعبر عنها ذلك القول القديم سكان روما يحكمهم ، ومن يفشل فى ذلك لا يبقى فى الحكم يوما واحدا ، فاننا نرى ان موارد مصر من القمح كانت امرا بالغ الاهمية بالنسبة الى اوغسطس ولاى خلفائه من بعده ليس من الناحية الاقتصادية وحدها بل من الناحية السياسية أيضا .
القرائن على ذلك من المصادر:
وتتأكد لدينا الحقيقة بأن موارد مصر كانت الهدف الأول والأخير للحكم الرومانى فى مصر من خلال مراجعتنا لبعض الارقام التى تذكرها بعض المصادر الادبية القديمة عن الجزية النوعية من القمح والضريبة النقدية التى كانت تحصل عليها روما من مصر ، وكذلك من خلال بعض الشواهد والاشارات الأخرى التى ترد فى هذه المصادر الأدبية و فى الوثائق على السواء ، فالكاتب الرومانى اورليوس فكتور Aurelius victor مثلا يذكر أن مصر فى خلال حكم اوغسطس كانت ترسل الى روما سنويا قمحا يبلغ مقداره عشرين مليون موديوس Modius رومانى . ويحدثنا المؤرخ اليهودى "يوسف" بأنه الى جانب الجزية النقدية ، كانت مصر فى خلال عهد الامبراطور نيرون (54-68 م) تمد روما بما يكفيها من القمح اربعة شهور. وبالرغم من أننا لا نعرف قدر احتياج العاصمة الرومانية من القمح شهريا فى عهد هذا الامبراطور كى نحسب الكمية التى يشير اليها المؤرخ ، فاننا نقدر أن كمية القمح المصرى الذى كان يرسل الى روما فى ايام نيرون كانت اكبر بكثير منها أيام اوغسطس لان أنتاجية الارض المصرية كانت قد ازدادت فى عهد نيرون زيادة ظاهرة .
والى جانب هذه الجزية النوعية من القمح كانت هناك جزية نقدية ، وليس لدينا لسوء الحظ معلومات وثيقة عن مقدار هذه الجزية النقدية أبان عهد اوغسطس ، لأن ماتذكره المصادر عنها متضارب الى حد ما ، لكن هذا التضارب فى المصادر يقل فيما يتعلق بعهود خلفاء اغسطس ، حتى اذا مابلغنا عهد الامبراطور فسباسيانوسVespassianus (68\69-79) وجدنا الجزية النقدية المحصلة من مصر تبلغ مائة واربعين مليونا من الدينارات الرومانية كل عام .
فضلا عما تثبته هذه الارقام من ضخامة ماكانت تجبيه روما من مصر عينا أونقدا فان بعض العبارات والاشارات الواردة عند بعض الكتاب القدامى عن مصر بوصفها ولاية رومانية تجعل المرء يتلقى انطباعا مبدئيا عما كان يمكن ان تكون عليه طبيعة الحكم الرومانى فىمصر ، ويدرك فى التو ماذا كانت تبغيه روما من هذه الولاية . فهناك ماتوحى به عبارة صريحة واردة عند المؤرخ الرومانى تاكيتوس من أن " مصر بلد مثيرة للمتاعب ، لكنه مصدر أساسى للقمح والدخل" ، وهناك مايذكره فينون من أن والى مصر (الذى كان يعينه الامبراطور ليحكم مصر باسمه ) كان يقضى الجانب الاكبر من وقته كل عام فى تفقد موارد الدخل فى مختلف اقاليم مصر ومراجعة حساباتها .
ولعل الوثائق البردية تعطينا – الى جانب هذه الصورة العامة – الانطباع بأن كل دقيقة من دقائق العمل الحكومى فى مصر تحت حكم الرومان كانت تستهدف بطريق مباشر أو غير مباشر ضمان الحد الأقصى من دخل البلاد . وفى هذا المجال تذكر بردية مهمة أشرنا اليها فى مناسبة سابقة وهى المعروفة باسم P.Gnomon والتى تعتبر مصدرا مهما لمعلوماتنا عن سياسة الرومان الاقتصادية والاجتماعية فى مصر ، وتتناول هذه الوثيقة المطولة الاحكام التى كانت تعمل بمقتضاها ادارة رومانية فى مصر عرفت بأدارة الحساب الخاص Idios Logos وكانت تشرف على مصادر الدخل غير الاعتيادية من أراضى مصادرة أو غرامات أو ماشاكل ذلك . والواقع أن من يراجع هذه الأحكام ليدهش حقيقة أمام اهتمام السلطات الرومانية البالغ بالحصول على أقصى ما يمكن أن تدره موارد الدخل فى مصر ، أو بالأحرى باعتصار هذه الموارد حتى أخر دراخمه من نقد وحتى أخر صاع من القمح . ومن الأوامر والتعليمات التى كان يصدرها ولاة مصر الى مرؤسيهم أن الولاة كانوا فى بعض هذه الوثائق يصفون الخزانة بأنها "بالغة القداسة" Herotaton Tameion بمعنى أنه لايمكن انتهاك صالحها الذى يوضع فوق كل اعتبار .
تأثير النظم و السياسات البطلمية :
هكذا تشير كل من المصادر الأدبية و الوثائقية فى وضوح الى تلك الحقيقة وهى أن موارد مصر كانت آخر الأمر هى الهدف الأول و الأوحد للرومان وكان من الطبيعى إذن أن تأتى النظم التى وضعها أوغسطس لحكم مصر فى كافة المجالات مستهدفة تحقيق ذلك فى المقام الأول . وفى الوقت نفسه كان من الضرورى أن تتأثر نظم اغسطس بسياسة اسلافه فى حكم مصر وهم البطالمة. وكان هؤلاء قد اوجدوا فى البلاد جهازا للحكم شديد الاحكام و أقاموا السلطة المركزية على أساس علمى ، وكان النظام البطلمى بالصورة التى وجده عليها اوغسطس كفيلا بأن يحقق له غايته فى أن يبقى مصر ومواردها تحت سيطرته الكاملة ، ولم تكن ثمة حاجة الى إدخال نظام إدارى جديد . وهنا ينبغى أن نشير الى أن الرومان على وجه العموم لم يكونوا يتدخلون لتغيير نظم الإدارة التى وجدوها فى البلاد التى آل إليهم حكمها تغييرا أساسيا طالما كانت هذه النظم تتمشى مع السياسة الرومانية فى الإدارة وكل ماكان الامر يتطلبه فى مصر هو أن يشدد أوغسطس من قبضة السلطة المركزية التى كان قد انتابها شئ من الضعف إبان عهود البطالمة الأواخر ، وان يسبغ على الإدارة صبغة رومانية على نحو ما . ولذلك فإننا سنلاحظ أن الهيكل الأساسى للإدارة البطلمية سيبقى على حاله فى فترة الحكم الرومانى بالرغم من بعض التعديلات التى طرأت من حيث إدخال وظائف جديدة وإلغاء أخرى أو تغير طبيعة بعض الوظائف وإختصاصها لتتناسب مع الأوضاع الجديدة .
السياسه الاقتصاديه
وفى مجال السياسه الاقتصاديه أيضا وجد أوغسطس عند اسلافة البطالمة نموذجا يمكن احتذاؤه فبطليموس الثانى (فيلادلفوس) كان قد نفذ فى مصر برنامجا اقتصاديا واسع المدى واستهدف منه أن استغل طاقة مصر الإنتاجية إلى أقصى حد ممكن . ويفضل النظام البيروقراطى المحكم الذى وضعه هذا الملك وضعت الدولة تحت اشرافها الدقيق كل ماكان يمكن أن يدر دخلا للخزانة المللكية . وكذلك أوغسطس ، الذى كان لسياسته عين الأهداف ، والذى نفترض انه كان على علم بتاريخ مصر وبنظمها الاقتصادية ، ومن هنا مانلحظه من التشابه بل التطابق فى بعض الاحيان- بين الإجراءات التى سيتخذها لإنعاش الموارد الانتاجية المصرية وتلك التى اتخذها فيلادلفوس من قبله .
السياسة الاجتماعية
أما فى مجال السياسة الاجتماعية ، فقد وجد أوغسطس فى مصر مجتمعا طبقيا تتمايز فيه فئات السكان من حيث الامتيازات والحقوق والواجبات والأعباء . فالبطالمة كما نعلم اتبعوا فى مصر سياسة التمييز العنصرى بين العصر اليونانى والمتأغرق من ناحية والعنصر الوطنى من جماهير السكان من ناحية أخرى ، فمنحوا الفريق الأول كثيرا من الامتيازات على حساب الفريق الثانى . وبالرغم من أننا لا نستطيع أن ننكر أن سياسة العطف التى اتبعها البطالمة إزاء اليونان كانت متأثرة بتعاطفهم مع هذا العنصر باعتبار أنهم ملوك مقدونيون أغريقيو الثقافة ، فإن هناك اعتبارات عملية أملت عليهم هذه السياسة فى الواقع ، ونعنى بها احتياجهم المادى الى خبرة اليونان وجهودهم فى شتى المجالات من أجل إقامة دولتهم فى مصر . وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى أوغسطس: لقد اتبع هذا أيضا سياسة البطالمة فى التمييز العنصرى ، ليس فقط لأنه كان معجبا بالثقافة اليونانية مدركا للفارق الكبير بينها و بين الثقافة المصرية بحالتها الواقعة فى ذلك الوقت ، بل لأنه استشعر الاحتياج المادى نفسه للعنصر اليونانى لكى يلقى عليه بعض مهام الحكم فى مصر توخيا لتخفيف الاعباء عن اداة الحكم الرومانى فى مصر .
ولسوف نرى أن اوغسطس لم يكتف بتبنى سياسة التمييز العنصرى ، وإنما أكدها ودعمها حتى أننا سنلاحظ مثلا أن بعض التعبيرات الاصطلاحية التى كانت ترد فى الوثائق البردية فى العصر البطلمى لتدل على فئة أو غيرها من فئات اليونان الممتازة باعتبار ماكان لها من وضع خاص أو أسلوب معين فى الحياة الاجتماعية مثل تعبير Hoi apo Gymnasiou (ومعناها جماعات رجال الجمنازيوم الذين تخرجوا من معهد التربية اليونانى Gymnasium )، وقد أصبحت ترد فى وثائق العصر الرومانى لتدل على طبقة اجتماعية بكل ما فى كلمة الطبقة من معنى و بحيث لم يكن من الممكن أن يدخل فى عداد هذه الطبقة سوى الأفراد الذين تتوافر فيهم شروط خاصة معينة كانت السلطات تراعيها بكل دقة وصرامة .
وهكذا يتضح لنا أن تشابه أهداف السياسة البطلمية و الرومانية فى مصر كانت عاملا مهما فى تبنى أوغسطس السياسة البطلمية فى خطوطها العامة الاساسية . ولم تكن التعديلات أو التجديدات التى أدخلها فى النظم البطلمية التى وجدها إلا من أجل دفع هذه النظم نحو مزيد من المركزية ضمنا لأداء افضل يسمح بتحقيق دخل أكبر . وقد بدأ أوغسطس فى وضع تنظيماته لمصر فى خلال الفترة القصيرة التى مكثها فيها بعد الاحتلال ثم استكمل هذه التنظيمات بعد عودته إلى روما جاريا على ذات السياسة ، منطلقا من ذات الاهداف . وقد أصبحت سياسته تلك فى مصر سياسة تقليدية ثابتة تابعه فيها خلفاؤه من بعده .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
العوامل التى املت على اوكتافيانوس سياسته ازاء مصر :
http://faustula.free.fr/empereurs/Auguste.jpg
لم يكن اوكتافيانوس يستطيع ان يمكث فى مصر وقتا طويلا . كان عليه أن يسرع بالعودة الى روما ليتصدى لمشكلات عديدة تراكمت هناك عبر سنوات طويلة من الحرب الاهلية بلغت نحو نصف قرن من الزمان ، وأولها مشكلة بناء الدولة فى ظل نظام سياسى وادارى جديد ،لأن النظام الجمهورى القديم كان فى حقيقة الامر قد تفسخ بعد أن انهار الدستور تحت وطأة سلسلة متتالية من الانتهاكات التى كان يتعرض لها بالضرورة فى خلال تلك الحروب الاهلية . وقد كانت هناك أيضا مشكلة تنظيم الولايات الرومانية التى كانت اكثر حكوماتها قد فسدت ، هذا فضلا عن مشكلة الانهيار الخلقى والاجتماعى العام فى روما . غير أنه كان على اوكتافيانوس فى خلال الوقت الذى كان متاحا له للبقاء فى مصر أن يقوم ببعض الاجراءات لمواجهة احتياجات البلاد العاجلة ، وبالرغم من اننا نفتقر الى المعلومات الكافية عن تلك الاجراءات العاجلة ، فلسنا نشك فى انها كانت تصدر عن سياسة محددة رسمتها الاهداف التى أراد الزعيم الرومانى أن يحققها لروما من مصر. وقد اكتملت صورة هذه السياسة فى السنوات التالية من حكم اوكتافيانوس (الذى سيحمل بعد سقوط مصر بقليل لقب اوغسطس) بحيث أصبحت سياسة ثابتة نحو مصر سار عليها هو طوال سنين حكمه الطويل ، كما أنها ارست قواعد السياسة التى اتبعها خلفاؤه من الأباطرة الرومان أزاء مصر لفترة طويلة من تاريخها .
اهمية الموارد المصرية:
وقد نتسائل فى البداية عن العتبارات التى تأثر بها اوغسطس وهو يرسم سياستة ازاء مصر. وقد كان اول هذه الاعتبارات دون شك هو اهتمامه بضمان أقصى قدر ممكن من موارد مصر الغنية ليكون مصدرا دائما يعتد به لدخل روما . والواقع ان هذا الهدف المادر للحكم الرومانى فى مصر كان ظاهرا منذ البداية ، بل لعله قد ظهر لنا حتى قبل أن تدخل مصر فى حوزة الرومان ، ولا غرو ، فمصر كانت أغنى ماضمته روما اليها من اقاليم حتى ذلك الوقت ، ومواردها الوفيرة ، من القمح على وجه الخصوص هى التى جعلت لها أهمية خاصة بين ولايات الامبراطورية ، حقا ان روما كانت تستطيع أن تحصل على القمح من ولايات أخرى مثل ، ولاية افريقيا و صقلية و سردينيا ، لكن مصر كانت اكبر هذه البلاد انتاجا منه . ولما كانت زراعة القمح قد اهملت منذ حين كانت ثمة حقيقة يعرفها دارسو التاريخ الرومانى ويعبر عنها ذلك القول القديم سكان روما يحكمهم ، ومن يفشل فى ذلك لا يبقى فى الحكم يوما واحدا ، فاننا نرى ان موارد مصر من القمح كانت امرا بالغ الاهمية بالنسبة الى اوغسطس ولاى خلفائه من بعده ليس من الناحية الاقتصادية وحدها بل من الناحية السياسية أيضا .
القرائن على ذلك من المصادر:
وتتأكد لدينا الحقيقة بأن موارد مصر كانت الهدف الأول والأخير للحكم الرومانى فى مصر من خلال مراجعتنا لبعض الارقام التى تذكرها بعض المصادر الادبية القديمة عن الجزية النوعية من القمح والضريبة النقدية التى كانت تحصل عليها روما من مصر ، وكذلك من خلال بعض الشواهد والاشارات الأخرى التى ترد فى هذه المصادر الأدبية و فى الوثائق على السواء ، فالكاتب الرومانى اورليوس فكتور Aurelius victor مثلا يذكر أن مصر فى خلال حكم اوغسطس كانت ترسل الى روما سنويا قمحا يبلغ مقداره عشرين مليون موديوس Modius رومانى . ويحدثنا المؤرخ اليهودى "يوسف" بأنه الى جانب الجزية النقدية ، كانت مصر فى خلال عهد الامبراطور نيرون (54-68 م) تمد روما بما يكفيها من القمح اربعة شهور. وبالرغم من أننا لا نعرف قدر احتياج العاصمة الرومانية من القمح شهريا فى عهد هذا الامبراطور كى نحسب الكمية التى يشير اليها المؤرخ ، فاننا نقدر أن كمية القمح المصرى الذى كان يرسل الى روما فى ايام نيرون كانت اكبر بكثير منها أيام اوغسطس لان أنتاجية الارض المصرية كانت قد ازدادت فى عهد نيرون زيادة ظاهرة .
والى جانب هذه الجزية النوعية من القمح كانت هناك جزية نقدية ، وليس لدينا لسوء الحظ معلومات وثيقة عن مقدار هذه الجزية النقدية أبان عهد اوغسطس ، لأن ماتذكره المصادر عنها متضارب الى حد ما ، لكن هذا التضارب فى المصادر يقل فيما يتعلق بعهود خلفاء اغسطس ، حتى اذا مابلغنا عهد الامبراطور فسباسيانوسVespassianus (68\69-79) وجدنا الجزية النقدية المحصلة من مصر تبلغ مائة واربعين مليونا من الدينارات الرومانية كل عام .
فضلا عما تثبته هذه الارقام من ضخامة ماكانت تجبيه روما من مصر عينا أونقدا فان بعض العبارات والاشارات الواردة عند بعض الكتاب القدامى عن مصر بوصفها ولاية رومانية تجعل المرء يتلقى انطباعا مبدئيا عما كان يمكن ان تكون عليه طبيعة الحكم الرومانى فىمصر ، ويدرك فى التو ماذا كانت تبغيه روما من هذه الولاية . فهناك ماتوحى به عبارة صريحة واردة عند المؤرخ الرومانى تاكيتوس من أن " مصر بلد مثيرة للمتاعب ، لكنه مصدر أساسى للقمح والدخل" ، وهناك مايذكره فينون من أن والى مصر (الذى كان يعينه الامبراطور ليحكم مصر باسمه ) كان يقضى الجانب الاكبر من وقته كل عام فى تفقد موارد الدخل فى مختلف اقاليم مصر ومراجعة حساباتها .
ولعل الوثائق البردية تعطينا – الى جانب هذه الصورة العامة – الانطباع بأن كل دقيقة من دقائق العمل الحكومى فى مصر تحت حكم الرومان كانت تستهدف بطريق مباشر أو غير مباشر ضمان الحد الأقصى من دخل البلاد . وفى هذا المجال تذكر بردية مهمة أشرنا اليها فى مناسبة سابقة وهى المعروفة باسم P.Gnomon والتى تعتبر مصدرا مهما لمعلوماتنا عن سياسة الرومان الاقتصادية والاجتماعية فى مصر ، وتتناول هذه الوثيقة المطولة الاحكام التى كانت تعمل بمقتضاها ادارة رومانية فى مصر عرفت بأدارة الحساب الخاص Idios Logos وكانت تشرف على مصادر الدخل غير الاعتيادية من أراضى مصادرة أو غرامات أو ماشاكل ذلك . والواقع أن من يراجع هذه الأحكام ليدهش حقيقة أمام اهتمام السلطات الرومانية البالغ بالحصول على أقصى ما يمكن أن تدره موارد الدخل فى مصر ، أو بالأحرى باعتصار هذه الموارد حتى أخر دراخمه من نقد وحتى أخر صاع من القمح . ومن الأوامر والتعليمات التى كان يصدرها ولاة مصر الى مرؤسيهم أن الولاة كانوا فى بعض هذه الوثائق يصفون الخزانة بأنها "بالغة القداسة" Herotaton Tameion بمعنى أنه لايمكن انتهاك صالحها الذى يوضع فوق كل اعتبار .
تأثير النظم و السياسات البطلمية :
هكذا تشير كل من المصادر الأدبية و الوثائقية فى وضوح الى تلك الحقيقة وهى أن موارد مصر كانت آخر الأمر هى الهدف الأول و الأوحد للرومان وكان من الطبيعى إذن أن تأتى النظم التى وضعها أوغسطس لحكم مصر فى كافة المجالات مستهدفة تحقيق ذلك فى المقام الأول . وفى الوقت نفسه كان من الضرورى أن تتأثر نظم اغسطس بسياسة اسلافه فى حكم مصر وهم البطالمة. وكان هؤلاء قد اوجدوا فى البلاد جهازا للحكم شديد الاحكام و أقاموا السلطة المركزية على أساس علمى ، وكان النظام البطلمى بالصورة التى وجده عليها اوغسطس كفيلا بأن يحقق له غايته فى أن يبقى مصر ومواردها تحت سيطرته الكاملة ، ولم تكن ثمة حاجة الى إدخال نظام إدارى جديد . وهنا ينبغى أن نشير الى أن الرومان على وجه العموم لم يكونوا يتدخلون لتغيير نظم الإدارة التى وجدوها فى البلاد التى آل إليهم حكمها تغييرا أساسيا طالما كانت هذه النظم تتمشى مع السياسة الرومانية فى الإدارة وكل ماكان الامر يتطلبه فى مصر هو أن يشدد أوغسطس من قبضة السلطة المركزية التى كان قد انتابها شئ من الضعف إبان عهود البطالمة الأواخر ، وان يسبغ على الإدارة صبغة رومانية على نحو ما . ولذلك فإننا سنلاحظ أن الهيكل الأساسى للإدارة البطلمية سيبقى على حاله فى فترة الحكم الرومانى بالرغم من بعض التعديلات التى طرأت من حيث إدخال وظائف جديدة وإلغاء أخرى أو تغير طبيعة بعض الوظائف وإختصاصها لتتناسب مع الأوضاع الجديدة .
السياسه الاقتصاديه
وفى مجال السياسه الاقتصاديه أيضا وجد أوغسطس عند اسلافة البطالمة نموذجا يمكن احتذاؤه فبطليموس الثانى (فيلادلفوس) كان قد نفذ فى مصر برنامجا اقتصاديا واسع المدى واستهدف منه أن استغل طاقة مصر الإنتاجية إلى أقصى حد ممكن . ويفضل النظام البيروقراطى المحكم الذى وضعه هذا الملك وضعت الدولة تحت اشرافها الدقيق كل ماكان يمكن أن يدر دخلا للخزانة المللكية . وكذلك أوغسطس ، الذى كان لسياسته عين الأهداف ، والذى نفترض انه كان على علم بتاريخ مصر وبنظمها الاقتصادية ، ومن هنا مانلحظه من التشابه بل التطابق فى بعض الاحيان- بين الإجراءات التى سيتخذها لإنعاش الموارد الانتاجية المصرية وتلك التى اتخذها فيلادلفوس من قبله .
السياسة الاجتماعية
أما فى مجال السياسة الاجتماعية ، فقد وجد أوغسطس فى مصر مجتمعا طبقيا تتمايز فيه فئات السكان من حيث الامتيازات والحقوق والواجبات والأعباء . فالبطالمة كما نعلم اتبعوا فى مصر سياسة التمييز العنصرى بين العصر اليونانى والمتأغرق من ناحية والعنصر الوطنى من جماهير السكان من ناحية أخرى ، فمنحوا الفريق الأول كثيرا من الامتيازات على حساب الفريق الثانى . وبالرغم من أننا لا نستطيع أن ننكر أن سياسة العطف التى اتبعها البطالمة إزاء اليونان كانت متأثرة بتعاطفهم مع هذا العنصر باعتبار أنهم ملوك مقدونيون أغريقيو الثقافة ، فإن هناك اعتبارات عملية أملت عليهم هذه السياسة فى الواقع ، ونعنى بها احتياجهم المادى الى خبرة اليونان وجهودهم فى شتى المجالات من أجل إقامة دولتهم فى مصر . وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى أوغسطس: لقد اتبع هذا أيضا سياسة البطالمة فى التمييز العنصرى ، ليس فقط لأنه كان معجبا بالثقافة اليونانية مدركا للفارق الكبير بينها و بين الثقافة المصرية بحالتها الواقعة فى ذلك الوقت ، بل لأنه استشعر الاحتياج المادى نفسه للعنصر اليونانى لكى يلقى عليه بعض مهام الحكم فى مصر توخيا لتخفيف الاعباء عن اداة الحكم الرومانى فى مصر .
ولسوف نرى أن اوغسطس لم يكتف بتبنى سياسة التمييز العنصرى ، وإنما أكدها ودعمها حتى أننا سنلاحظ مثلا أن بعض التعبيرات الاصطلاحية التى كانت ترد فى الوثائق البردية فى العصر البطلمى لتدل على فئة أو غيرها من فئات اليونان الممتازة باعتبار ماكان لها من وضع خاص أو أسلوب معين فى الحياة الاجتماعية مثل تعبير Hoi apo Gymnasiou (ومعناها جماعات رجال الجمنازيوم الذين تخرجوا من معهد التربية اليونانى Gymnasium )، وقد أصبحت ترد فى وثائق العصر الرومانى لتدل على طبقة اجتماعية بكل ما فى كلمة الطبقة من معنى و بحيث لم يكن من الممكن أن يدخل فى عداد هذه الطبقة سوى الأفراد الذين تتوافر فيهم شروط خاصة معينة كانت السلطات تراعيها بكل دقة وصرامة .
وهكذا يتضح لنا أن تشابه أهداف السياسة البطلمية و الرومانية فى مصر كانت عاملا مهما فى تبنى أوغسطس السياسة البطلمية فى خطوطها العامة الاساسية . ولم تكن التعديلات أو التجديدات التى أدخلها فى النظم البطلمية التى وجدها إلا من أجل دفع هذه النظم نحو مزيد من المركزية ضمنا لأداء افضل يسمح بتحقيق دخل أكبر . وقد بدأ أوغسطس فى وضع تنظيماته لمصر فى خلال الفترة القصيرة التى مكثها فيها بعد الاحتلال ثم استكمل هذه التنظيمات بعد عودته إلى روما جاريا على ذات السياسة ، منطلقا من ذات الاهداف . وقد أصبحت سياسته تلك فى مصر سياسة تقليدية ثابتة تابعه فيها خلفاؤه من بعده .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق