الوجود القبطي في القدس حتى القرن العشرين2
ومع وجود العديد من الكنائس القبطية فضلاً عن الأديرة القبطية في المدينة المقدسة، ونتيجةً للوازع الديني، فضلاً عن الطبيعة الدينية والاجتماعية لنظام الوقف، حفلت الوثائق القبطية بالعديد من حجج الأوقاف المرصودة على القدس. ولم يكنْ الوقف حِكراً على الأماكن المقدسة في القدس من جانب أثرياء الأقباط، بل كانت معظم الأوقاف القبطية على القدس مرصدة من جانب الطبقة الوسطى القبطية، ومن هنا وجدنا العديد من حجج الوقف القبطي التي تشتمل على وقف عمارات صغيرة، أو حتى جزء من عقار، وهي ظاهرة واضحة في الأوقاف القبطية، واختلفت أوضاع الأوقاف القبطية المرصدة، فبعضها كان مرصداً على الواقف ثم على النسل والذرية، على أنْ تؤول في حالة انقطاع الذرية إلى الأماكن المقدسة في القدس (13)، وبعضها الآخر يتم رصده على بعض الأديرة القبطية في مصر، وفي حال تعذّر صرف العائد على هذه الأديرة أو زوالها تؤول هذه الأوقاف إلى القدس (14)، كما كان هناك بعض الأوقاف المرصدة مباشرة على القدس (15)، وبصفة عامة كان معظم الأوقاف القبطية المرصدة على القدس توضع تحت إشراف البابا القبطي في القاهرة، وينوب عنه المطران القبطي في القدس. ولكنْ في حالاتٍ نادرة وقف بعض الأقباط أوقافاً على الحرم القدسي بصفة عامة دون تخصيصٍ لدير أو كنيسة معينة، وفي هذه الحالة توضع هذه الأوقاف تحت إشراف «ناظر أوقاف الحرم القدسي» وهو من المسلمين (16).
كما حرصت الرابطة على إصدار العديد من النداءات والمطبوعات الإرشادية إلى جانب مجلة دورية تصدر باسم الرابطة، واهتمت الرابطة بإنشاء بعض الملاجئ القبطية في القدس لخدمة الأطفال الأيتام، وجمع المساهمات المادية والعينية لهم وإرسالها إلى القدس.
واتخذت الرابطة موقفاً حاسماً من مسألة القدس إذ رفعت الرابطة شعاراً وهو «إن نسيتك يا أورشليم تنسني يميني» (17).
ويبقى علينا في النهاية استعراض الوضع الحالي للأقباط وللوجود القبطي بصفة عامة في القدس، في الحقيقة أضعفت فترة الاحتلال "الإسرائيلي" من شأن الوجود القبطي في القدس، إذ انقطعت إلى حدٍّ كبيرٍ العلاقات بين الأقباط والقدس والقاهرة، وانخفض بشدة عدد الرهبان الأقباط في الأديرة والكنائس القبطية في القدس. إلى الحدّ الذي أدّى بمطران القدس إلى إرسال استغاثة إلى البابا شنودة -بعد معاهدة السلام- بضرورة رسامة بعض الرهبان والشمامسة في هذه الكنائس والأديرة من أجل إعادة الحياة إليها من جديد (18).
وينطبق الشيء نفسه على المدارس القبطية في القدس، لا سيما مع عدم وصول التبرعات المالية اللازمة، وتوقّف وصول البعثة التعليمية المصرية إليها، من هنا تمّ تسوية هذا الأمر بالاتفاق بين الكنيسة القبطية ووزارة الخارجية المصرية وبالتعاون مع وزارة التربية والتعليم المصرية، وتوقف أيضاً نشاط الملاجئ القبطية في القدس، بل وتم إغلاقها في فترة لاحقة نتيجة الأزمة المالية التي أحاطت ببطريركية الأقباط الأرثوذكس في القدس (19).
وفي بعض الأوقاف استعان الأقباط ببعض كبار الموظفين السريان في القدس لرعاية الأوقاف القبطية والشؤون المدنية لطائفة الأقباط، ففي عام 1703 على سبيل المثال كان «المعلم إسحق القدسي السرياني ابن المعلم سالم، الوكيل عن طائفة الأقباط بالقدس الشريف، المباشر بخدمة الديوان بالقدس الشريف». وعند عزله متولّي القدس، أرسل المطران القبطي في القدس إلى البابا في القاهرة ليخبره بذلك، وبضورة اختيار وكيلاً جديداً (20).
ولكن هذا الوضع سيتغير إلى حد كبير منذ القرن التاسع عشر، إذ سيتولى الأقباط بأنفسهم رعاية الأوقاف والممتلكات القبطية في القدس، والوكالة عنها أما ولاة الأمور، لا سيما مع تولي بعض الأقباط لوظائف إدارية في القدس (21).
ويحدد التقليد الصادر من البابا القبطي برسامة مطران القدس مهام هذا المطران وواجباته فهو «رئيساً بالقيامة المعظمة والأماكن المقدسة والآثارات السيدية والبيع والديورة داخل القيامة المعظمة وخارجها، المختصة بجماعة النصارى طائفة القبط بمدينة القدس الشريف».. أمّا عن مهامه فهي «التكلّم والتحدث في إصلاح ما يتعلّق بالقيامة وخُدّامها من الكهنة والشمامسة والحبش والزوار»، وأيضاً «التحدث والنظر على موجود القيامة المقدسة والأماكن المقدسة وعلى وقوفاتها (الأوقاف) وتعلقاتها الداخلة فيها والخارجة عنها. وعليه حفظ ذلك وصونه وجمعه كما يجب. ويسعى عليه وينمّيه ويثمره، ولا يمكّن أحداً من التفريط ولا من إضاعة شيءٍ منه إلا في وجهه الذي ينبغي صرفه فيه، وليس لأحدٍ أنْ يعمر منازل أو مساكن إلا بمعرفته، وإنْ كان ضرورياً بحيث لا يخالفوه فيها ولا يردّون له أمراً.. ويجب على الرئيس المذكور ألا ينال من رزق الأماكن المقدسة إلا ما هو كفاف ولحياته قوام» (22).
ومن النقاط الهامة المتعلقة بالوجود القبطي في القدس مسألة الحجم العددي لهذا الوجود، أو بمعنى آخر تعداد الأقباط في القدس، حتى نستطيع تقييم هذا الشأن وتطويره عبر العصور، أو إذا لا يتوافر لدينا سوى بعض التقديرات من جانب بعض الرحالة أو بعض رجال الدين.
وهي في مجملها لا تعدو أن تكون سوى تقديرات لا تعطي لنا صورة حقيقية عن حجم الوجود القبطي في القدس وتطوره عبر القرون.
ففي عام 1817 يقدّر أحد الرحالة الغربيين عدد الأقباط في القدس بحوالي 50 قبطياً، وفي عام 1837 يحدّثنا مصدر آخر عن وباء الكوليرا الذي عصف بالقدس آنذاك، ويذكر أعداد من مات من الطوائف المسيحية بالقدس، مقدّراً عدد من راح من الأقباط في هذا الوباء بسبعة أفراد، وفي عام 1853 يقدّر أحد الرحالة عدد الأقباط في القدس من الناحية العددية لم يكنْ كبيراً إذا ما قارنّاه بأعداد بعض الطوائف المسيحية الأخرى إذْ يُقَدّر هذا المصدر عدد المسيحيين الروم بحواليْ ألفين، وعدد الكاثوليك بحوالي تسعمائة، والأرمن 350 فرداً، مع ذلك تتفوق الجالية القبطية في القدس من حيث العدد على بعض الجاليات المسيحية الأخرى، إذ يقدّر عدد السريان في القدس آنذاك بحوالي عشرين، والرقم نفسه بالنسبة للأحباش (23).
ويقدّر الأنباباسيليوس المطران القبطي للكرسي الأورشليمي والشرق الأدنى عدد الأقباط في كلّ فلسطين في عام 1948 حوالي عشرة آلاف نسمة (24).
ويقدّر مصدر آخر عدد الأقباط في القدس في خمسينيات القرن العشرين بحوالي خمسمائة نسمة، وبرى هذا المصدر أنّ هذ الرقم قد ارتفع ليصل إلى حوالي ألف نسمة عند عام 1970 (25).
وحتى الآن ما تزال تعيش عشرات الأسر الفلسطينية في القدس التي تنحدر من أصولٍ قبطية ولعلّ أهمّ هذه الأسر عائلات خوري، حبش، رزوق، جدعون، قبطة، مناريوس، حلبي، مينا، مرقص، ترجمان (26).
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ومع وجود العديد من الكنائس القبطية فضلاً عن الأديرة القبطية في المدينة المقدسة، ونتيجةً للوازع الديني، فضلاً عن الطبيعة الدينية والاجتماعية لنظام الوقف، حفلت الوثائق القبطية بالعديد من حجج الأوقاف المرصودة على القدس. ولم يكنْ الوقف حِكراً على الأماكن المقدسة في القدس من جانب أثرياء الأقباط، بل كانت معظم الأوقاف القبطية على القدس مرصدة من جانب الطبقة الوسطى القبطية، ومن هنا وجدنا العديد من حجج الوقف القبطي التي تشتمل على وقف عمارات صغيرة، أو حتى جزء من عقار، وهي ظاهرة واضحة في الأوقاف القبطية، واختلفت أوضاع الأوقاف القبطية المرصدة، فبعضها كان مرصداً على الواقف ثم على النسل والذرية، على أنْ تؤول في حالة انقطاع الذرية إلى الأماكن المقدسة في القدس (13)، وبعضها الآخر يتم رصده على بعض الأديرة القبطية في مصر، وفي حال تعذّر صرف العائد على هذه الأديرة أو زوالها تؤول هذه الأوقاف إلى القدس (14)، كما كان هناك بعض الأوقاف المرصدة مباشرة على القدس (15)، وبصفة عامة كان معظم الأوقاف القبطية المرصدة على القدس توضع تحت إشراف البابا القبطي في القاهرة، وينوب عنه المطران القبطي في القدس. ولكنْ في حالاتٍ نادرة وقف بعض الأقباط أوقافاً على الحرم القدسي بصفة عامة دون تخصيصٍ لدير أو كنيسة معينة، وفي هذه الحالة توضع هذه الأوقاف تحت إشراف «ناظر أوقاف الحرم القدسي» وهو من المسلمين (16).
كما حرصت الرابطة على إصدار العديد من النداءات والمطبوعات الإرشادية إلى جانب مجلة دورية تصدر باسم الرابطة، واهتمت الرابطة بإنشاء بعض الملاجئ القبطية في القدس لخدمة الأطفال الأيتام، وجمع المساهمات المادية والعينية لهم وإرسالها إلى القدس.
واتخذت الرابطة موقفاً حاسماً من مسألة القدس إذ رفعت الرابطة شعاراً وهو «إن نسيتك يا أورشليم تنسني يميني» (17).
ويبقى علينا في النهاية استعراض الوضع الحالي للأقباط وللوجود القبطي بصفة عامة في القدس، في الحقيقة أضعفت فترة الاحتلال "الإسرائيلي" من شأن الوجود القبطي في القدس، إذ انقطعت إلى حدٍّ كبيرٍ العلاقات بين الأقباط والقدس والقاهرة، وانخفض بشدة عدد الرهبان الأقباط في الأديرة والكنائس القبطية في القدس. إلى الحدّ الذي أدّى بمطران القدس إلى إرسال استغاثة إلى البابا شنودة -بعد معاهدة السلام- بضرورة رسامة بعض الرهبان والشمامسة في هذه الكنائس والأديرة من أجل إعادة الحياة إليها من جديد (18).
وينطبق الشيء نفسه على المدارس القبطية في القدس، لا سيما مع عدم وصول التبرعات المالية اللازمة، وتوقّف وصول البعثة التعليمية المصرية إليها، من هنا تمّ تسوية هذا الأمر بالاتفاق بين الكنيسة القبطية ووزارة الخارجية المصرية وبالتعاون مع وزارة التربية والتعليم المصرية، وتوقف أيضاً نشاط الملاجئ القبطية في القدس، بل وتم إغلاقها في فترة لاحقة نتيجة الأزمة المالية التي أحاطت ببطريركية الأقباط الأرثوذكس في القدس (19).
وفي بعض الأوقاف استعان الأقباط ببعض كبار الموظفين السريان في القدس لرعاية الأوقاف القبطية والشؤون المدنية لطائفة الأقباط، ففي عام 1703 على سبيل المثال كان «المعلم إسحق القدسي السرياني ابن المعلم سالم، الوكيل عن طائفة الأقباط بالقدس الشريف، المباشر بخدمة الديوان بالقدس الشريف». وعند عزله متولّي القدس، أرسل المطران القبطي في القدس إلى البابا في القاهرة ليخبره بذلك، وبضورة اختيار وكيلاً جديداً (20).
ولكن هذا الوضع سيتغير إلى حد كبير منذ القرن التاسع عشر، إذ سيتولى الأقباط بأنفسهم رعاية الأوقاف والممتلكات القبطية في القدس، والوكالة عنها أما ولاة الأمور، لا سيما مع تولي بعض الأقباط لوظائف إدارية في القدس (21).
ويحدد التقليد الصادر من البابا القبطي برسامة مطران القدس مهام هذا المطران وواجباته فهو «رئيساً بالقيامة المعظمة والأماكن المقدسة والآثارات السيدية والبيع والديورة داخل القيامة المعظمة وخارجها، المختصة بجماعة النصارى طائفة القبط بمدينة القدس الشريف».. أمّا عن مهامه فهي «التكلّم والتحدث في إصلاح ما يتعلّق بالقيامة وخُدّامها من الكهنة والشمامسة والحبش والزوار»، وأيضاً «التحدث والنظر على موجود القيامة المقدسة والأماكن المقدسة وعلى وقوفاتها (الأوقاف) وتعلقاتها الداخلة فيها والخارجة عنها. وعليه حفظ ذلك وصونه وجمعه كما يجب. ويسعى عليه وينمّيه ويثمره، ولا يمكّن أحداً من التفريط ولا من إضاعة شيءٍ منه إلا في وجهه الذي ينبغي صرفه فيه، وليس لأحدٍ أنْ يعمر منازل أو مساكن إلا بمعرفته، وإنْ كان ضرورياً بحيث لا يخالفوه فيها ولا يردّون له أمراً.. ويجب على الرئيس المذكور ألا ينال من رزق الأماكن المقدسة إلا ما هو كفاف ولحياته قوام» (22).
ومن النقاط الهامة المتعلقة بالوجود القبطي في القدس مسألة الحجم العددي لهذا الوجود، أو بمعنى آخر تعداد الأقباط في القدس، حتى نستطيع تقييم هذا الشأن وتطويره عبر العصور، أو إذا لا يتوافر لدينا سوى بعض التقديرات من جانب بعض الرحالة أو بعض رجال الدين.
وهي في مجملها لا تعدو أن تكون سوى تقديرات لا تعطي لنا صورة حقيقية عن حجم الوجود القبطي في القدس وتطوره عبر القرون.
ففي عام 1817 يقدّر أحد الرحالة الغربيين عدد الأقباط في القدس بحوالي 50 قبطياً، وفي عام 1837 يحدّثنا مصدر آخر عن وباء الكوليرا الذي عصف بالقدس آنذاك، ويذكر أعداد من مات من الطوائف المسيحية بالقدس، مقدّراً عدد من راح من الأقباط في هذا الوباء بسبعة أفراد، وفي عام 1853 يقدّر أحد الرحالة عدد الأقباط في القدس من الناحية العددية لم يكنْ كبيراً إذا ما قارنّاه بأعداد بعض الطوائف المسيحية الأخرى إذْ يُقَدّر هذا المصدر عدد المسيحيين الروم بحواليْ ألفين، وعدد الكاثوليك بحوالي تسعمائة، والأرمن 350 فرداً، مع ذلك تتفوق الجالية القبطية في القدس من حيث العدد على بعض الجاليات المسيحية الأخرى، إذ يقدّر عدد السريان في القدس آنذاك بحوالي عشرين، والرقم نفسه بالنسبة للأحباش (23).
ويقدّر الأنباباسيليوس المطران القبطي للكرسي الأورشليمي والشرق الأدنى عدد الأقباط في كلّ فلسطين في عام 1948 حوالي عشرة آلاف نسمة (24).
ويقدّر مصدر آخر عدد الأقباط في القدس في خمسينيات القرن العشرين بحوالي خمسمائة نسمة، وبرى هذا المصدر أنّ هذ الرقم قد ارتفع ليصل إلى حوالي ألف نسمة عند عام 1970 (25).
وحتى الآن ما تزال تعيش عشرات الأسر الفلسطينية في القدس التي تنحدر من أصولٍ قبطية ولعلّ أهمّ هذه الأسر عائلات خوري، حبش، رزوق، جدعون، قبطة، مناريوس، حلبي، مينا، مرقص، ترجمان (26).
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق