تأملات في الهزائم والانتصارات ج1
بقلم : د . علي بن عمر بادحدح
المقدمة :
هذا الموضوع يسلط الضوء على المواقع الفاصلة ، والأحداث الكبرى في بعض مراحل تاريخ الأمة المسلمة ، والله - سبحانه وتعالى - قد قصّ علينا قصص السابقين ، وساق لنا قصص الأنبياء والمرسلين ، لنتدبر فيها ونستقي منها العبرة ، ونقرأ بين سطورها , وفي ثنايا ها الدروس التي كتبها الله - سبحانه وتعالى - في قواعد محكمة .. " إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ... " (سورة الرعد : 11) "كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" ( المجادلة : 21 ) .
قضى الله - سبحانه وتعالى - بأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين ، وكما قضت حكمته أن قطع على نفسه الوعد بأنه يدافع عن الذين آمنوا ، وربط الشرط بالمشروط .. " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ... " (محمد : 7 ).
غاية الأمر أننا نريد أن نسلط الضوء لنقرأ فيما وراء الأحداث ، ولنتأمل في الأمور التي قد لا يكترث الناس بها ، ولا تخلد في أذهانهم ولا تبقى في عقولهم ..
اقرأ التاريخ إذ فيـه العبر -*-*-* ضاع قوم ليس يدرون الخبر
إن أمة لا تقرأ تاريخها لا يمكن أن تعرف حاضرها, ولا أن تخطط لمستقبلها ،
: " لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى .."(يوسف : 111 ).
هذه الدنيا كلها بما فيها من الأحداث درس وعبرة ، يظهر للمؤمن فيها قدر الله - عز وجل - النافذ وحكمته البالغة ومشيئته التي لا يردها شيء، وكذلك تظهر من خلالها الصورة الحقيقة لأسباب النصر، والصورة الحقيقية لأسباب الهزيمة .
الوقفة الأولى : إعلان النصر قبل المعركة :
شاهت الوجوه واتضحت مصارع القوم :
معلوم أن الانتصار لا يعلن قبل اللقاء ، وأنه في المعارك المهمة يبقى الجزم بالنصر والجولة الأخيرة حتى اللحظات الأخيرة غير معروف ، لكن سنأخذ ومضات سريعة نرى فيها أن النصر أعلن قبل بدء المعركة في كثير من الأوقات ، وذلك بسبب أن الذي جزم بهذا النصر قبل اللقاء قد استحضر أموراً معينة ، ورأى الأسباب مهيأة ، وعرف حقائق إيمانية لا تزول ولا تتغير فجزم بذلك ..
في أول يوم من أيام الله - عز وجل - في يوم الفرقان .. يوم بدر الأغر لما قضى الله - عز وجل - أن يـلـتـقـي محمد -
- وصحبـه الكرام الميامين بكفار قريش ولم يكونوا قد تهيؤا لذلك
عندما صُفَّت الصفوف وتعين اللقاء ، ماذا صنع الرسول
؟ توجه إلى الله عز وجل، وهو يناشد ربه ويسأل مولاه، ويلحف في المسألة ,
ويلح في الدعاء، ويقول : " اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض
أبداً .. اللهم هذه قريش قد جاءت بعودها ومطافيلها .. " ويلحّ - عليه
الصلاة والسلام – " اللهم نصرك الذي وعدتني " حتى يسقط الرداء من على كتفه
الشريف ، ويأتي أبو بكر ويقول : " حسبك يا رسول الله ؛ فإن الله منجز لك
ما وعد " ..
يكفي هذا الدعاء وهذا ا لإلحاح ، ثم نجد بعد الدعاء والإلحاح والإلحاف اليقين بالإجابة ، فأخذ النبي -
- بحفنة من الحصى ورمى بها في جهة الكفار ، وقال : " شاهت الوجوه " ، ثم
قال : " والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم , هذا مصرع عقبة بن أبي معيط ..
هذا مصرع أبي جهل .. هذا مصرع أمية بن خلف .. " ويعين مواقع مقاتله, كما
قال الرواة في السير فما أخطأ واحد منهم ما أشار.
لقد تيقن - عليه الصلاة والسلام - بالنصر ؛ لأنه كان يعلم من أصحابه قلوباً مؤمنة بالله ، وجباهاً ساجدة له سبحانه وتعالى ، وصفَّاً موطد العرى بالمحبة والألفة في الله عز وجل ، فتحققت أسباب النصر ، فأعلنه - عليه الصلاة والسلام - قبل بدء المعركة .
أبشروا إذ زاغت الأبصار :
وفي موقف أكثر شدة وضراوة وقسوة على المسلمين ، اجتمع فيه عليهم شدة البرد مع شدة الجوع مع شدة الخوف مع كثرة العدو مع خيانة الذي كان نصيراً .. في يوم الأحزاب الذي وصفه الله - عز وجل - وصفاً عجيباً حيث قال سبحانه وتعالى : " إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا " ( الأحزاب : 11) .
في ذلك الموقف العصيب وقد اجتمعت قريش وغطفان , ومن منعهم من بعض القبائل والأحابيش , وأحاطوا بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم وحاصروها ، ورسول الله -
- قد بلغ به وبأصحابه الأمر مبلغاً عظيماً من شدة الجوع والخوف والبرد،
يرسل - عليه الصلاة والسلام - السعدين ليستجليا له خبر قريظة ، ويقول : فإن
كانوا نقضوا العهد فالحنا لي لحناً أعرفه , ولا يعرفه غيري .
فلما بلغه الخبر - عليه الصلاة والسلام - بنقض قريظة للعهد ، كان ذلك بمثابة الطعنة من الخلف ، وبمثابة آخر حجر من أحجار البناء الذي يُظن في الصورة المادية أنه بدا متهالكاً متداعياً ، يوشك أن يسقط على الرسول
وصحبه .. عندما بلغ بهذا الخبر كبَّر - عليه الصلاة والسلام - وقال : الله أكبر الله أكبر , أبشروا بالنصر ..
في عمق المأساة وفي شدة الكرب ، يكبر - عليه الصلاة والسلام - ويجزم بالنصر ؟ ولم يكن يعرف له سبباً ! ولم يكن يعرف من وحي الله ما سيقع بعد ! لكنه رأى أسباب النصر , أمة موحدة لله - عز وجل - ما لانت ولا داهنت في دينها ، ولا باعت مبادئها ، ولا غيَّرت عهدها مع الله عز وجل .. أمة متوحِّدة مترابطة قلبها قلب رجل واحد ، فقال - عليه الصلاة والسلام - : " أبشروا بالنصر " فجاء نصر الله - عز وجل - من حيث لم يحتسبوا ، ولم يشعروا ، ولم يعرفوا، فإذا بالريح تطفئ النار , وتُكفئ القدور ، وإذا بأبي سفيان زعيم القوم يُنهض ناقته قائلاً : " يا أهل مكة لا مقام لكم فارجعوا " .
وكفى الله المؤمنين القتال ، وبثّ في قلوب الكفار الرعب ، وجاء النصر .
وقد يقول قائل : إن هذا الإخبار من الرسول -
- وحي فله أن يعلن النصر قبل المعركة ، ولكني أقول : إن هذا ليس على هذا النحو والضرب .
والله إنكم لمنصورون :
وإن كان المصطفى -
- مسدداً بالوحي ، فإن الأمر كان منه نظراً في هذه الأسباب ـ أي أسباب النصر ـ ولذا قد وقع من غير الرسول
من أهل الصلاح والإيمان من هذه الأمة الإسلامية ، من جزم بالنصر كما وقع
من شيخ الإسلام ابن تيمية في عام( 702 هـ )في موقعة (شقحب ) عندما تلاقى
المسلمون والتتار ، إذ كان - رحمة الله عليه - يحرض المؤمنين على القتال ،
ويحثّهم على الجهاد ، ويؤمرهم بالدعاء ، ثم يقول : " والله إنكم لمنصورون
عليهم هذه الكرة " ، فيقولون له : قل : إن شاء الله ، فيقول لهم : " إن
شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً "
سبحان الله ! يجزم ويحلف ، وإذا قيل له : قل إن شاء الله ، يقول : " إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً " ، أي أن ذلك واقع لا محالة , ولكنه بمشيئة الله لا تعليقاً , كأنه لا يشك في نصر الله عز وجل ، لمَ جزم شيخ الإسلام بحصول النصر قبل وقوعه، وهو لا يوحى إليه وهو واحد من أفراد أمة محمد
؟ لأنه قد رأى بأم عينيه ملامح النصر تتحقق في الأمة المسلمة ، فعلم أن
قوماً قد لجئوا إلى الله - عز وجل - ونابذوا المعاصي ، وتوحدت صفوفهم
سينصرهم الله عز وجل ؛ لأن وعده لا يتخلف .. " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت
أقدامكم " .
إذاً هذه الومضة - وليست مقصودنا في الحديث - إنما مقصودنا أن النصر والهزيمة لا يتعلق بالأمور المادية الظاهرية ، وإنما يتعلق أكثر ما يتعلق بالأمور والأسباب الإيمانية المعنوية التي فيها وفاء بعهد الله ، والتزام بشرع الله سبحانه وتعالى
المصدر : موقع إسلاميات
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
بقلم : د . علي بن عمر بادحدح
المقدمة :
هذا الموضوع يسلط الضوء على المواقع الفاصلة ، والأحداث الكبرى في بعض مراحل تاريخ الأمة المسلمة ، والله - سبحانه وتعالى - قد قصّ علينا قصص السابقين ، وساق لنا قصص الأنبياء والمرسلين ، لنتدبر فيها ونستقي منها العبرة ، ونقرأ بين سطورها , وفي ثنايا ها الدروس التي كتبها الله - سبحانه وتعالى - في قواعد محكمة .. " إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ... " (سورة الرعد : 11) "كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" ( المجادلة : 21 ) .
قضى الله - سبحانه وتعالى - بأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين ، وكما قضت حكمته أن قطع على نفسه الوعد بأنه يدافع عن الذين آمنوا ، وربط الشرط بالمشروط .. " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ... " (محمد : 7 ).
غاية الأمر أننا نريد أن نسلط الضوء لنقرأ فيما وراء الأحداث ، ولنتأمل في الأمور التي قد لا يكترث الناس بها ، ولا تخلد في أذهانهم ولا تبقى في عقولهم ..
اقرأ التاريخ إذ فيـه العبر -*-*-* ضاع قوم ليس يدرون الخبر
إن أمة لا تقرأ تاريخها لا يمكن أن تعرف حاضرها, ولا أن تخطط لمستقبلها ،
: " لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى .."(يوسف : 111 ).هذه الدنيا كلها بما فيها من الأحداث درس وعبرة ، يظهر للمؤمن فيها قدر الله - عز وجل - النافذ وحكمته البالغة ومشيئته التي لا يردها شيء، وكذلك تظهر من خلالها الصورة الحقيقة لأسباب النصر، والصورة الحقيقية لأسباب الهزيمة .
الوقفة الأولى : إعلان النصر قبل المعركة :
شاهت الوجوه واتضحت مصارع القوم :
معلوم أن الانتصار لا يعلن قبل اللقاء ، وأنه في المعارك المهمة يبقى الجزم بالنصر والجولة الأخيرة حتى اللحظات الأخيرة غير معروف ، لكن سنأخذ ومضات سريعة نرى فيها أن النصر أعلن قبل بدء المعركة في كثير من الأوقات ، وذلك بسبب أن الذي جزم بهذا النصر قبل اللقاء قد استحضر أموراً معينة ، ورأى الأسباب مهيأة ، وعرف حقائق إيمانية لا تزول ولا تتغير فجزم بذلك ..
في أول يوم من أيام الله - عز وجل - في يوم الفرقان .. يوم بدر الأغر لما قضى الله - عز وجل - أن يـلـتـقـي محمد -
- وصحبـه الكرام الميامين بكفار قريش ولم يكونوا قد تهيؤا لذلكعندما صُفَّت الصفوف وتعين اللقاء ، ماذا صنع الرسول
؟ توجه إلى الله عز وجل، وهو يناشد ربه ويسأل مولاه، ويلحف في المسألة ,
ويلح في الدعاء، ويقول : " اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض
أبداً .. اللهم هذه قريش قد جاءت بعودها ومطافيلها .. " ويلحّ - عليه
الصلاة والسلام – " اللهم نصرك الذي وعدتني " حتى يسقط الرداء من على كتفه
الشريف ، ويأتي أبو بكر ويقول : " حسبك يا رسول الله ؛ فإن الله منجز لك
ما وعد " ..يكفي هذا الدعاء وهذا ا لإلحاح ، ثم نجد بعد الدعاء والإلحاح والإلحاف اليقين بالإجابة ، فأخذ النبي -
- بحفنة من الحصى ورمى بها في جهة الكفار ، وقال : " شاهت الوجوه " ، ثم
قال : " والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم , هذا مصرع عقبة بن أبي معيط ..
هذا مصرع أبي جهل .. هذا مصرع أمية بن خلف .. " ويعين مواقع مقاتله, كما
قال الرواة في السير فما أخطأ واحد منهم ما أشار.لقد تيقن - عليه الصلاة والسلام - بالنصر ؛ لأنه كان يعلم من أصحابه قلوباً مؤمنة بالله ، وجباهاً ساجدة له سبحانه وتعالى ، وصفَّاً موطد العرى بالمحبة والألفة في الله عز وجل ، فتحققت أسباب النصر ، فأعلنه - عليه الصلاة والسلام - قبل بدء المعركة .
أبشروا إذ زاغت الأبصار :
وفي موقف أكثر شدة وضراوة وقسوة على المسلمين ، اجتمع فيه عليهم شدة البرد مع شدة الجوع مع شدة الخوف مع كثرة العدو مع خيانة الذي كان نصيراً .. في يوم الأحزاب الذي وصفه الله - عز وجل - وصفاً عجيباً حيث قال سبحانه وتعالى : " إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا " ( الأحزاب : 11) .
في ذلك الموقف العصيب وقد اجتمعت قريش وغطفان , ومن منعهم من بعض القبائل والأحابيش , وأحاطوا بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم وحاصروها ، ورسول الله -
- قد بلغ به وبأصحابه الأمر مبلغاً عظيماً من شدة الجوع والخوف والبرد،
يرسل - عليه الصلاة والسلام - السعدين ليستجليا له خبر قريظة ، ويقول : فإن
كانوا نقضوا العهد فالحنا لي لحناً أعرفه , ولا يعرفه غيري .فلما بلغه الخبر - عليه الصلاة والسلام - بنقض قريظة للعهد ، كان ذلك بمثابة الطعنة من الخلف ، وبمثابة آخر حجر من أحجار البناء الذي يُظن في الصورة المادية أنه بدا متهالكاً متداعياً ، يوشك أن يسقط على الرسول
وصحبه .. عندما بلغ بهذا الخبر كبَّر - عليه الصلاة والسلام - وقال : الله أكبر الله أكبر , أبشروا بالنصر ..في عمق المأساة وفي شدة الكرب ، يكبر - عليه الصلاة والسلام - ويجزم بالنصر ؟ ولم يكن يعرف له سبباً ! ولم يكن يعرف من وحي الله ما سيقع بعد ! لكنه رأى أسباب النصر , أمة موحدة لله - عز وجل - ما لانت ولا داهنت في دينها ، ولا باعت مبادئها ، ولا غيَّرت عهدها مع الله عز وجل .. أمة متوحِّدة مترابطة قلبها قلب رجل واحد ، فقال - عليه الصلاة والسلام - : " أبشروا بالنصر " فجاء نصر الله - عز وجل - من حيث لم يحتسبوا ، ولم يشعروا ، ولم يعرفوا، فإذا بالريح تطفئ النار , وتُكفئ القدور ، وإذا بأبي سفيان زعيم القوم يُنهض ناقته قائلاً : " يا أهل مكة لا مقام لكم فارجعوا " .
وكفى الله المؤمنين القتال ، وبثّ في قلوب الكفار الرعب ، وجاء النصر .
وقد يقول قائل : إن هذا الإخبار من الرسول -
- وحي فله أن يعلن النصر قبل المعركة ، ولكني أقول : إن هذا ليس على هذا النحو والضرب .والله إنكم لمنصورون :
وإن كان المصطفى -
- مسدداً بالوحي ، فإن الأمر كان منه نظراً في هذه الأسباب ـ أي أسباب النصر ـ ولذا قد وقع من غير الرسول
من أهل الصلاح والإيمان من هذه الأمة الإسلامية ، من جزم بالنصر كما وقع
من شيخ الإسلام ابن تيمية في عام( 702 هـ )في موقعة (شقحب ) عندما تلاقى
المسلمون والتتار ، إذ كان - رحمة الله عليه - يحرض المؤمنين على القتال ،
ويحثّهم على الجهاد ، ويؤمرهم بالدعاء ، ثم يقول : " والله إنكم لمنصورون
عليهم هذه الكرة " ، فيقولون له : قل : إن شاء الله ، فيقول لهم : " إن
شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً "سبحان الله ! يجزم ويحلف ، وإذا قيل له : قل إن شاء الله ، يقول : " إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً " ، أي أن ذلك واقع لا محالة , ولكنه بمشيئة الله لا تعليقاً , كأنه لا يشك في نصر الله عز وجل ، لمَ جزم شيخ الإسلام بحصول النصر قبل وقوعه، وهو لا يوحى إليه وهو واحد من أفراد أمة محمد
؟ لأنه قد رأى بأم عينيه ملامح النصر تتحقق في الأمة المسلمة ، فعلم أن
قوماً قد لجئوا إلى الله - عز وجل - ونابذوا المعاصي ، وتوحدت صفوفهم
سينصرهم الله عز وجل ؛ لأن وعده لا يتخلف .. " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت
أقدامكم " .إذاً هذه الومضة - وليست مقصودنا في الحديث - إنما مقصودنا أن النصر والهزيمة لا يتعلق بالأمور المادية الظاهرية ، وإنما يتعلق أكثر ما يتعلق بالأمور والأسباب الإيمانية المعنوية التي فيها وفاء بعهد الله ، والتزام بشرع الله سبحانه وتعالى
المصدر : موقع إسلاميات
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق