الاثنين، 21 مارس 2016

الزيوت سر التحنيط الفرعوني





الزيوت سر التحنيط الفرعوني    
   

آمن المصريون القدماء بأن الجسد هو منزل القرين، وهو أحد العناصر الخمسة التي يتكون منها الإنسان، الأمر الذي جعل من حفظ الجسد ضرورياً من أجل الحياة الأخرى الأبدية، التي كان المصريون يؤمنون بأن الإنسان ينتقل إليها عند وفاته، واعتقد الفراعنة أنه ينبغي تحنيط الميت لحماية جثته من التحلل كي تتمكن الروح من العثور على الجسد لتتم عملية البعث . وظل سر التحنيط دوماً أكثر ألغاز الفراعنة غموضاً وإثارة، حيث أظهرت التحاليل التي أجريت على عينات مأخوذة من مومياوات تنتمي لعصور متلاحقة أن الفراعنة طوروا مواد التحنيط بمرور الزمن بإضافة مكونات قاتلة للجراثيم لحماية المومياوات من التحلل، وبالفعل عاشت تلك المومياوات حتى يومنا هذا .

رغم أن أغلب الحضارات القديمة في العالم خلفت وراءها مومياوات لكن تبقى أشهر المومياوات، هي تلك التي حنطت بشكل متعمد بغرض حفظها لفترات طويلة، وخاصة تلك المومياوات التي تعود لفراعنة المصريين القدماء، وترتبط المومياوات بالأساطير والمحنطات المصرية .

وظل التحنيط في بادئ الأمر مقصوراً على الملوك والطبقات الغنية، ولكن عرفت واستعملت أخيراً طرق أخرى للتحنيط أبسط وأقل تكلفة، بحيث تمكن الفقراء من أن يستفيدوا من بعض العمليات الحافظة لجثثهم، وخصوصاً عملية التجفيف بالنطرون، وأن يكون لديهم هم الآخرون أمل الحصول على الحياة الأبدية .

وطور الفراعنة أساليب التحنيط على مدى مئات السنين، واكتشفوا أنه يجب في البداية إزالة الأعضاء الداخلية لحماية الجثة من التحلل، ثم معالجتها بالأملاح والأصماغ وزيت الأرز والعسل والقار بهدف تجفيفها وحمايتها من الجراثيم .

وكان اختيار مكونات مواد التحنيط يتأثر بعامل التكلفة وبصيحات الموضة، التي كانت سائدة، إذ كان أثرياء قدماء المصريين يحرصون على شراء مواد التحنيط الثمينة لتكريم موتاهم، مثلما يلجأ بعض الأثرياء اليوم لشراء التوابيت الثمينة وبناء المقابر الفاخرة .

ولم يترك الفراعنة معلومات عن علم التحنيط الذي مارسوه، غير أن المؤرخ هيرودوت، الذي رحل إلى مصر نحو منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، كتب بعض المعلومات عن تلك العملية ولخصها في ثلاث طرق، الأولى وهي الأعلى تكلفة وفيها يستخرج جزء من المخ بطريقه آلية ويستخرج الباقي بواسطة العقاقير وتستخرج محتويات البطن، وتغسل الأحشاء المستخرجة بعرق النخيل والتوابل ثم يحشى التجويف بالمر والقرفة ومواد عطرية أخرى، وبعد أن يخاط شق التحنيط كانت الجثة تعالج بالنطرون ثم تغسل وتدثر في لفائف كتانية كانت تلصق بعضها ببعض بالصمغ .

أما الطريقة الثانية، ففيها كانت الجثة تحقن بزيت الأرز عن طريق الشرج ثم تعالج بالنطرون، بينما الطريقة الثالثة  وهي أرخص الطرق  التي اختارتها الطبقات الفقيرة، فتتضمن غسل الجثة والأحشاء بواسطة حقنة شرجية، ثم يلي ذلك المعالجة بالنطرون .

وحديثاً أجرى باحثون غربيون دراسة بجامعة “بريستول” في بريطانيا دراسة، بهدف التعرف إلى تطور أساليب التحنيط على مدى ألفي وثلاثمئة عام من عمر الحضارة الفرعونية، ورصدوا تطور مواد التحنيط من خلال التغير، الذي طرأ على مكوناتها خلال تلك الفترة الزمنية الطويلة .

وقال الباحثون: إن الزيوت النباتية والدهون الحيوانية كانت من المكونات الأساسية لمواد التحنيط، ويعتقدون كذلك أن قدماء المصريين كانوا يمزجون تلك الزيوت والدهون، التي كانت متوافرة ورخيصة الثمن بكميات محدودة من مواد أخرى نادرة وباهظة الثمن لتحضير المواد، التي كانوا يستخدمونها في تحنيط الموتى .

كما أجرت خبيرة المصريات في جامعة “مانشستر” الدكتورة عبير حلمي تصويراً مقطعياً كاملاً على مومياوات مصرية مستعارة من المتحف البريطاني .

وأجريت الفحوصات بواسطة أجهزة الأشعة التي يستخدمها المرضى في مستشفى “مانشستر الملكي”، على سبع مومياوات أحدها كان كاهناً، وتم دفنه مع إحدى عشرة تميمة ذهبية، وذلك دلالة على أنه كان من الطبقة العليا في المجتمع آنذاك، وأخرى تعود لفتاة عمرها 12 سنة، أما الباقون فرجال بالغون . وكشفت الصور عن نظرة نادرة على الوضع الصحي والاجتماعي للمجتمع الفرعوني في عام 900 قبل الميلاد تقريباً، وهي الفترة التي بدأ فيها المصريون القدماء في استخدام طرق جديدة للتحنيط والاعتناء بالموتى . ووجدت الأشعة أن اثنين من السبع مومياوات كانتا مصابتين بفقر الدم، وكلهم كانوا يعانون مشاكل خطيرة في الأسنان باستثناء الفتاة الصغيرة، ويعتقد أن الخبز الذي كانوا يأكلونه كان مليئاً بالشوائب الرملية، والذي أدى إلى تآكل طبقة المينا في الأسنان وبالتالي زيادة فرصة التعرض لأمراض الأسنان الخطيرة .

وذكرت الباحثة أن المصريين القدماء مارسوا فن التحنيط لآلاف السنين، وحسنوا من أدائهم فيه طوال الوقت، لكنهم أرادوا هذه المومياوات أن تكون الأفضل، وأن يكون مظهرهم في موتهم أقرب شيء لمظهرهم في حياتهم، ولذلك احتفظوا بأعضائهم الداخلية ووضعوها في لفائف داخل أجسادهم ووضعوا صخوراً داخل تجويف أعينهم لتبدو طبيعية .

المثير في الأمر أن كل مومياء كانت تلف بعشرات الأمتار من قماش الكتان لتصنع منها ملابس الميت في حياته الأخرى الأبدية، وكان يتلى عليها التعاويذ وتمارس عليها الطقوس قبل الدفن، وكان يدفن معه الطعام والشراب وكل ما سيحتاجه ليعيش حياة هنية بعد الموت . وكانت تدفن المومياوات في لحود برمال الصحراء المترامية والجافة لامتصاص السوائل من الجسم وتجفيفه لحفظ الجلد والأظافر والشعر بعيداً عن ضفتي النيل حيث الزراعة، فيما كان الموسرون يدفنون في المقابر المشيدة، بينما الفقراء يدفنون في مقابر العامة التي لا تحظى بكل وسائل الحماية والرفاهية الموجودة في مقابر الأثرياء .


( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق