الحياة والنظم الاقتصادية فى مصر الفرعونية
أولاً: الزراعة
وهب الله لمصر النيل، وكان ذلك هو العامل الرئيسى لتكون مصر بلداً زراعياً منذ أقدم العصور، وكانت الزراعة أساس رخاء البلاد وثروتها. اهتم المصريون القدماء بمراقبة نهر النيل وارتفاع مياهه عن طريق المقاييس، لأن فى ذلك ما يبشر بمحصول طيب. اهتم المصريون القدماء أيضاً بحسن استغلال مياه النيل، فحفروا الترع والقنوات، وأقاموا السدود لحجز المياه وادخارها لوقت الحاجة.
الفصول الزراعية
قسم المصرى القديم السنة الزراعية إلى ثلاثة فصول زراعية هى:
فصل الغمر: هو الفصل الذى فيه تغمر مياه الفيضان الأرض الزراعية، ويمتد من منتصف شهر يونيو إلى منتصف شهر أكتوبر.
فصل البذر: هو الفصل الذى يقوم فيه الفلاحون ببذر الحبوب، ويمتد من منتصف شهر أكتوبر إلى منتصف شهر فبراير.
فصل الحصاد: من منتصف شهر فبراير إلى منتصف شهر يونيو.
وكانت الأرض تزرع مرة واحدة فى العام.
أشهر المحاصيل فى مصر الفرعونية
زرع المصريون القدماء القمح والشعير لصناعة الخبز، الكتان لصناعة النسيج، ومن البقول: الفول والعدس والحمص والترمس، ومن الخضراوات: البصل والخس، كما زرعوا السمسم لاستخراج الزيت، ومن أشجار الفواكه: العنب والرمان والنبق والبلح والدوم والتين والجميز.
تخمير العجين وصناعة الخبز - هذه النماذج لخدم وقد انشغلوا فى النشاطات اليومية، كانت توضع فى مقابر الفراعنة لتضمن للميت حياة جيدة فى العالم الآخر. وقد صُنعت هذه المجموعة من الخشب المطلى والكتان والصلصال، وترجع إلى بداية الأسرة الـ 12 (1980-1801 ق.م).
الأدوات الزراعية
استخدم المصريون القدماء أدوات مثل: الفأس والمحراث والمنجل والمذراة فى العمليات الزراعية، أيضاً استخدموا الشادوف لتوصيل المياه إلى الأرض المرتفعة.
العمليات الزراعية
كانت عمليات الحرث وبذر الحبوب تبدأ فى شهر أكتوبر، بعدما يكون فيضان النيل قد انحسر. وفى هذه اللوحة الحائطية نرى رجلاً يسوق محراثاً يجره زوج من الثيران، ومن خلفه زوجته تتبعه وهى تبذر البذور. وفى القسم الأسفل من الصورة نرى نهر النيل وقد اصطف على شاطئه نخيل البلح.
فى شهر سبتمبر يبدأ انحسار المياه عن الأرض، فيقوم الفلاحون بعزقها ثم حرثها، ثم يبذرون الحبوب، ثم يسوقون الأغنام فى الحقل، حتى تغرس بأقدامها الحبوب فى ثنايا الأرض. يظل الفلاحون يعتنون بزرعهم حتى إذا تم نضجه، يقومون بحصاده، ثم يحملون المحصول على ظهور الحمير إلى الأجران. وفى الأجران يسوقون الثيران فوق المحصول، ثم تبدأ عملية التذرية لفصل القشور عن الحبوب، وهم فى أثناء ذلك ينشدون الأناشيد العذبة ويرتلون الأغانى الجميلة. فى النهاية يتم تخزين الحبوب فى صوامع من الطين تشبه صوامع الفلاحين الحالية. والحقيقة أن الفلاح المصرى كان نشيطاً فى الزراعة ومحباً لها، لأنه يعتمد عليها فى الحياة.
نموذج خشبى لمخزن قمح عُثر عليه فى أحد المقابر المصرية القديمة. كانت الحبوب تضاف إلى المخزن من خلال الفتحات الموجودة فى السقف، وتفرغ عند الاحتياج إليها من خلال الفتحات المنزلقة فى حائط المخزن.
تربية الحيوانات والطيور
اهتم المصرى القديم بتربية الطيور، مثل البط والحمام والإوز، كما اهتم بتربية الحيوانات مثل الأبقار والأغنام والحمير، حيث كان يستخدمها فى العمليات الزراعية، كما كان يستفيد من لحومها وجلودها وشعرها.
زودت البيئة الخصبة للنيل المصريين القدماء بغذاء متنوع. وفى هذه اللوحة الحائطية، تُجمع عناقيد العنب وتُداس لاستخلاص عصير العنب، كما نرى عملية اصطياد الطيور ونتف ريشها، وأيضاً تظهر مجموعات من السمك والطيور بعد أن تم اصطيادها وأثناء نقلها.
ملكية الأرض الزراعية
كانت جميع الأراضى الزراعية فى مصر القديمة ملكاً للملك، وعلى الفلاحين أن يقوموا بزراعتها، وعند الحصاد يأخذون منها أرزاقهم. وكان فرعون يعطى للجنود المخلصين والموظفين الممتازين أراض زراعية تكون ملكاً لهم ولورثتهم، ومن هنا لم تنعدم الملكية الخاصة للأراضى الزراعية فى مصر الفرعونية.
ثانياً: الصناعة
تتقدم الصناعة وتزدهر على ما تقدمه البيئة من مواد زراعية أو مناجم أو محاجر، ولقد وهب الله لمصرنا العزيزة هذه الطبيعة التى تساعد على قيام الصناعة، واستغل المصرى القديم المواد التى قدمتها له البيئة، واستطاع أن يصنع الكثير، وقد ترك لنا ما يدل على نشاطه الصناعى فى المقابر والمعابد والأهرامات ما يشهد بالعظمة والرقى والدقة والجمال.
أهم الصناعات فى مصر الفرعونية
* الصناعات القائمة على الأحجار
الصناعات الحجرية أقدم الصناعات المصرية، وأول الصناعات التى قام بها الإنسان المصرى القديم، فمن الحجر صنع الأوانى والجرار والأسلحة والتوابيت، كما استخدم المرمر فى صناعة التحف.
* الصناعات الفخارية والخزفية والزجاجية
برع المصرى القديم فى صناعة الأوانى الفخارية منذ أقدم العصور، فقد استعمل الصلصال الجيد، ثم يُحرق بالنار، ثم يُزخرف بالرسوم والنقوش والصور الجميلة. أيضاً استخدم المصرى القديم القيشانى فى عمل لوحات جميلة، وعقود، وتكسية الجدران والأبواب. والمصريون القدماء أول شعوب الأرض فى صناعة الزجاج من الرمال.
* الصناعات الجلدية
عرف المصرى القديم أهمية الجلود، فقام بدبغها وصبغها، ثم صنع منها النعال والسيور الجلدية وأغطية الكراسى، وعلب المرايا، كما استخدم جلد الماعز فى نقل الماء وحفظ السوائل، كما كانت الجلود البيضاء تستخدم فى الكتابة إلى جانب البردى.
* الصناعات المعدنية
حلى فرعونى من القرن الـ 20 أو الـ 19 ق.م، عبارة عن زنار وسوار بهما خرز مصنوع من الذهب والأحجار الملونة كالفيروز.
استطاع المصرى القديم أن يصنع أدواته، مثل الأسلحة وأدوات الزينة من النحاس، كما استخدم البرونز فى صناعة التماثيل الصغيرة، أيضاً صنع المصرى القديم الحلى من الذهب والفضة والأحجار الكريمة. وجميع هذه الصناعات تؤكد ما توفر للصناع المصريين من ذوق فنى، وبراعة فائقة، ومن أجمل تلك الصناعات تلك التى وجدت فى مقبرة "توت عنخ آمنون" التى مازالت تدهش العالم حتى اليوم.
* الصناعات الخشبية
استورد المصريون القدماء خشب الأرز من "فينيقيا" (لبنان)، ومنه صنعوا السفن والتوابيت والأسرة والمقاعد، واستوردوا خشب الأبنوس من بلاد النوبة وبلاد "بونت" (الصومال)، ومنه صنعوا أثاث القصور الملكية وبيوت الأمراء. وقد اضطر المصريون القدماء إلى استيراد الأخشاب الجيدة، لأن الأخشاب المصرية، مثل الجميز والسنط والصفصاف لم تكن تصلح للصناعة الجيدة. استخدم المصرى القديم الكثير من الأدوات كالإزميل والمنشار، وبرع فى فن حفر الخشب وتطعيمه بالعاج والأبنوس.
كرسى العرش الذهبى الذى عُثر عليه بمقبرة الملك "توت عنخ آمون" (1361 - 1352 ق.م)، وتُظهر الأشكال المرسومة عليه طرز الملابس الملكية المصرية المستخدمة فى هذه الفترة (1350 ق.م).
* صناعة المنسوجات
نجح المصرى القديم فى صناعة ملابسه من الكتان، وكان هذا الكتان من النوع الرقيق الذى يشبه الحرير، ومن النوع الخشن الثقيل، وكانت تسبق عملية النسيج عملية الغزل بمغازل من الخشب التى تقوم بها النساء، وكان النسيج يتم بأنوال تشبه الأنوال البلدية حالياً. أيضاً استخدم المصرى القديم الألوان فى زخرفة الملابس.
* الصناعات القائمة على البردى
حصاد ورق البردى - فى القسم الأعلى من هذا اللوحة المجسمة المطلية بالألوان نرى رجالاً يجمعون ورق البردى من على حافة نهر النيل، بينما فى القسم الأسفل يعبر قطيع من الماشية. وكان لورق البردى استخدامات عديدة، فكان يُصنع منه الورق والنعال والصناديق والحبال والقوارب.
استغل المصريون القدماء نبات البردى فى صناعة الورق، فكانوا بذلك أول من صنع الورق فى العالم، ومن سيقان البردى صنعوا الحصير والسلال والحبال والقوارب والسفن.
ثالثاً: التجارة الداخلية والخارجية
كان يغلب على المجتمع الفرعوني طابع الاقتصاد الطبيعي، الذي يعتمد على الاكتفاء الذاتي. ولكن هذا لا يعني أن التجارة كانت معدومة، فقد كانت مصر سوقاً عالمياً في العهود القديمة وبخاصة منذ القرن السادس قبل الميلاد، كونها تقع على مفترق طرق، ونقطة لقاء بين الحضارات القديمة المختلفة. وبدأت التجارة أول ما بدأت بالمقايضة العينية، ثم تطورت التجارة لدى الفراعنة وأخذت تلعب دوراً هاماً في إدخال أنماط جديدة للإنتاج. ومع انتشار التجارة زادت عمليات التبادل النقدي وتداول العملة المعدنية في وظيفة المقياس المشترك الخيالي للقيمة التبادلية. (وتشرف الدولة على التجارة الخارجية التي تستجلب البضائع الأجنبية للطبقة الحاكمة "الملك"، وليس للتوزيع على سوق داخلي منعدم). وتطورت الأعمال التبادلية والتجارة في النظام الفرعوني، ووصلت إلى مستوى من التقدم لم تعرفه العهود السابقة في مصر. وكان فرعون هو التاجر الكبير الوحيد تقريباً للسلع والبضائع التي تدخل الدورة السلعية سواءً أكانت محلية أو مستوردة. كما ظهر رأس المال التجاري ورأس المال الربوي.
ورغم أن الملك كان التاجر الكبير الوحيد في النظام الفرعوني، إلأ أن هذا لا يعني عدم ممارسة الأفراد لمهنة التجارة، وبخاصة الأجانب. فقد ازداد نشاط الفينيقيين والإغريق واليهود التجاري في أواخر العصر الفرعوني. (وقام عدد من كبار الأغنياء والحكام بتقديم القروض "رأس المال الربوي"، وكان الذين يعجزون عن السداد يتحولون إلى عبيد أرقاء لمدة محدودة أو لباقي حياتهم).
"لقد كانت مصر في مفترق الطرق لما يمكن أن يعد سوقاً عالمياً في العهود القديمة، وبخاصة منذ القرن السادس ق. م، ونما بعد ذلك رأس المال المصرفي والتجاري. ولعبت الشعوب التجارية –الفينيقيون واليهود والإغريق –دوراً كبيراً في إقامة هذا السوق الذي أثر في مصر وبخاصة الدلتا. فكتابات فترة بوبسطه تسجل عقوداً للبيع والشراء والرهن العقاري، وعقود الزواج التي تتضمن شروطاً خاصة بالممتلكات … وأصبحت المرأة في العصر الصاوي صاحبة حق التملك مستقلة عن الزوج وتتصرف كما تشاء فيما تملكه"
* التجارة الداخلية
ركوب القوارب فى نهر النيل - كانت مهنة الإبحار (الملاحة النهرية) مهمة فى مصر القديمة، حيث كانت تُنقل على متن القوارب المصنوعة من نبات البردى الإمدادات الغذائية، والأحجار لبناء المعابد، والبضائع التجارية، وذلك عبر نهر النيل الشريان الرئيسى للبلاد. وكانت المواكب الجنائزية لنقل مومياء فرعون إلى مكان دفنه تسير هى الأخرى عبر نهر النيل.
ساعد نهر النيل وفروعه على رواج التجارة الداخلية، فكانت القوارب والسفن تسير فيه حاملة الفلاحين ومحاصيلهم بين القرى والمدن، وكانت الأسواق المحلية تقام فى المدن والقرى المختلفة، يتبادل فيها الفلاحون منتجاتهم ومحاصيلهم. كانت المقايضة أساس التعامل ووسيلة البيع والشراء، ثم ظهرت العملة التى استخدمت فى العمليات التجارية، والتى صنعت من الذهب والفضة والنحاس. وإلى جانب نهر النيل كوسيلة انتقال، اعتمد المصريون القدماء على الدواب، مثل الحمير أو العربات التى تجرها الثيران فى حمل البضائع، واستخدموا الموازين والمكاييل، مثل القدح والكيلة والإردب.
* التجارة الخارجية
ازدهرت التجارة الخارجية، واتصل المصريون القدماء بالبلاد المحيطة بهم، وسارت سفن الأسطول المصرى التجارى فى البحرين الأحمر والمتوسط حاملة بضائع مصر إلى بلاد "بونت" (الصومال) و"فينيقيا" (لبنان) وجزر البحر المتوسط وبلاد النوبة، وتعود محملة بمختلف السلع والبضائع. كانت السفن المصرية تحمل البضائع والسلع المصرية من حبوب، وورق بردى، وحلى، ومنسوجات كتانية، وتعود محملة بالبضائع، مثل خشب الأرز من "فينيقيا"، والعطور وخشب الأبنوس والعاج من بلاد "بونت"، والزيوت والأخشاب والأسلحة المعدنية من سورية وجزر البحر المتوسط.
موارد مصر الاقتصادية فى العصر الفرعونى
لقد سارت الحياة الاقتصادية جنبا إلى جنب مع باقى مناحى الحياة فى مصر الفرعونية سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم دينية، وتأثرت مثلها بالظروف التاريخية التى اعترت الدولة سواء سلبا أم إيجابا. بل إن الحياة الاقتصادية كانت مؤشرا واضحا لتلك الظروف نظرا لتأثرها المباشر بها على الصعيدين الرسمى والشخصى أى الخاص بالدولة كحكومة أو بالشعب كأفراد.
ومما لا شك فيه أن الاقتصاد المصرى القديم قد اعتمد أساسا على الزراعة حيث مثلت الضيعة الزراعية منذ الدولة القديمة الوحدة الأساسية لهذا النظام. وعلى الرغم من أن الملك كان هو المالك الوحيد لجميع الأراضى إلا أن الأراضى كانت عرضه للبيع والشراء ولعل ما ذكره «متن» أحد كبار موظفى ألأسرة الثالثة من شرائه بعض الأراضى والتى احتفظ بصكوك الملكية المتعلقة بها لخير مثال على ذلك منذ بواكير التاريخ المصرى.
أما الضياع الملكية فقد كانت تؤجر لبعض كبار موظفى الدولة وإن كان معظمها يقع على حافة الصحراء وتعرف بالأراضى الهامشية حيث كانت تستصلح بمياه الرى قبل صرفها، وكانت أغلبها عبارة عن مراع أو حدائق. ونظرا لطبيعتها الخاصة فإن تأجيرها غالبا ما كان يتم بضمان من الملك للمعابد والأفراد على حد سواء.
وعلى أية حال فقد ارتبطت الحياة الزراعية بالنيل حيث يبدأ الفلاح منذ نهاية شهر سبتمبر من كل عام فى بذر بذوره فى الأرض مستخدما قطعان الماشية فى تثبيت تلك البذور فى التربة المفعمة بالمياه، وأحيانا ما كان ييذل مجهودا أكبر بفلاحتها بالفأس أو المحراث الخشبى.
ولقد كان الفلاح يولى اهتمامه لزراعة الخضراوات بعد ما يفرغ من زراعة الأرض بالمحصول الرئيسى حيث كان يزرع البصل والقثاء والثوم والخس والكرات وغيرها من الخضراوات اللازمة لغذائه. ولقد كانت تستلزم زراعة الخضر بالذات ريا منتظما بالمياه، حقيقة إن الشادوف لم يعرف قبل الدولة القديمة أو حتى خلالها إلا أن توفير المياه كان يتم بالجهد اليدوى لنقلها إذا كانت حقول الخضراوات قريبة من النهر أو بتخزينها فى أحواض خاصة بهذا الغرض إذا كانت بعيدة عنه.
أما تربية وصيد الطيور وكذا قطعان الماشية والوعول والغزلان فضلا عن صيد الأسماك، فقد لعبت بدورها دورا مهما فى اقتصادات البلاد خلال الدولة القديمة بحكم ثراء البيئة المصرية بأنواع شتى منها. والواقع فإن تربية الماشية بالذات كانت تستلزم جهدا كبيرا من المربين يغطى موسمين كاملين حتى يمكن التحكم فيها ففى الموسم الأول تنزل الماشية بحريتها فى مراع مفتوحة بالقرب من نهر النيل حيث يعيش معها مربوها ويتبعونها أينما ذهبت، حيث كانوا يقومون بحلبها والإشراف على صغارها ومساعدتها لاسيما إذا ما عبرت مجرى مائيا أو أحراشا وعرة.
أما فى الموسم الثانى فيتم استقطاع جزء من القطيع ليصبح ضمن ماشية الحقول الزراعية التى تخضع لتغذية معينة بهدف تسمينها لحساب القصر الملكى أو لمذابح المعابد كقرابين للآلهة المعبودة، ولعل ما يوضح أهميتها فى هذا الصدد هو تخصيص موظف مهمته الإشراف فحسب على تسمين الماشية. أما حيوانات العمل بالحقل فقد كان الحمار يستخدم فى الحصاد لا سيما فى درس الغلة ونقلها فى حين كان يستخدم الثور فى نطاق ضيق فى جر المحراث، أما بالنسبة للحصان فلم يظهر قبل عام (1700 ق.م) بينما جاء الجمل تاليا له فى الظهور.
أما الطيور التى كان يتوفر على تربيتها وعلى رأسها البط والإوز والبجع وغيرها، فقد كانت هى الأخرى ذات طابع خاص فى تربيتها يمتد لموسمين، إذ يطلقها بحرية فى الموسم الأول فى مكان واسع مع توفير كمية وافرة من الحبوب وحوض للمياه ضمانا لاحتياجها الغذائى ثم فى الموسم التالى تتم معاملتها وفقا لنوعها كأن يفصل الإوز عن البجع ويوضع فى حظائر خاصة بهدف إطعامه يدويا مع تدريبه على التقاط طعامه. ولقد كان يتولى أمر الطيور متخصصون فى الشئون الداجنة فضلا عن موظفين بدرجة كاتب للإشراف على الحظائر.
ولقد كان كبار موظفى الدولة القديمة مولعين بتصويرهم أنفسهم وهم يصيدون فى الصحراء أو الأحراش، حيث كان لهذا النشاط هدف مزدوج يستهدف الحصول على لحم الصيد طازجا فضلا عن التحصل على خبرات طيبة فى استئناس الحيوان. وهو الأمر الذى يفسر تصوير الصائد وهو يحمل حبلا لاقتياد الفريسة حية إلى جانب قوس الرماية سواء بسواء، كما كان يستعين بكلب الصيد المدرب على تعقب الفريسة أو إحضارها.
وجدير بالذكر أيضا أن الصيد كانت له خلفية دينية تتمثل فى اعتبار حيوانات الصحراء مخلوقات شريرة تنسب لست إله الشر فى العقيدة المصرية ومن ثم فالقضاء عليها كان جزءا من تقوى الشخص. والواقع فان الصيد لم يقتصر فقط على علية القوم حيث مارسه بعضهم كذلك من أجل التسلية وقضاء أوقات الفراغ، بل امتد ليصبح وظيفة تخصصية يقوم بها بعض موظفى الدولة يحملون لقبا خاصا يدل على ذلك وكانوا ينضوون تحت إمرة دوريات الشرطة.
أما الأحراش فقد كانت ثرية بعناصرها كالبردى عصب مواد الكتابة وصناعة الحبال لا سيما تلك الخاصة بأشرعة السفن فضلا عن مراكب الصيد الخفيف التى كانت تصنع بربط أعناق سوق النبات فى حزم متينة يتم تسييرها بسهولة بالغة على صفحة النيل، كما كانت سوقه تستخدم كدعامات فى المبانى لاسيما الأسقف، ناهيك عن الزهرة ذاتها التى كنت تستخدم فى الزينة.
وقد شارك اللوتس نظيره البردى فى معظم الفوائد، ومن ثم لم يكن مستغربا احتفاء المصرى بهما عقديا واجتماعيا بجانب الهدف الاقتصادى. وتجدر الإشارة إلى أن الطيور المهاجرة التى كانت تجمعها شباك صيادى الطيور البرية فى الأحراش قد مثلت ذخيرة طيبة لإثراء الحظائر الملكية.
ولقد كان صيد السمك أحد أهم مصادر غذاء المصرى القديم حيث كان يتم بشكل جماعى وفردى باستخدام أدوات مثل الشباك الطافية على صفحة الماء التى تنشر بواسطة فرق عمل متقابلة أو الشباك العادية وكذا الحراب والسنانير. ولقد كان يتم تجهيز الأسماك فى موقع صيدها بفتحها من منتصفها إلى قسمين ثم تترك لتجف. ولقد عرف المصرى قرابة أربعة عشر فصيلة من الأسماك يندرج تحتها أربعة وعشرون نوعا من الأسماك.
وعلى أية حال فإن ما تم سوقه من مفردات اقتصادية إنما يعنى أن مصر كانت تنتج كفايتها من الغذاء بفضل توافر رجال أكفاء على إدارة هذه العملية الاقتصادية سواء من المزارعين أو الرعاة أوالصيادين أو الصناع. حقيقة أن المواد الخام الأساسية لم تكن جميعها متوافرة بأرض مصر بما يمكن أن يؤثر سلبا على تطورها الاقتصادى، إلا أن المصريين قد تغلبوا على هذا الأمر بجعله ضمن أسس السياسة الخارجية للملك الحاكم. بمعنى أن المصريين فى الدولة القديمة وما قبلها لم يكونوا تجارا بذاتهم ومن ثم كانت الإدارات الملكية معنية فى هذا الصدد بتوفير المواد الخام للصناعة مثل جميع العمليات الاقتصادية من زراعة وصناعة وتجارة التى كانت تتم من خلال الملك أو بالأحرى إشرافه.
ومن ثم فلا عجب أن يرسل سنفرو أسطولا تجاريا باسمه إلى الساحل الشرقى للبحر المتوسط لاستجلاب أخشاب جبيل أو أن يرسل ساحورع بعثة إلى الساحل الصومالى (بونت) حيث منتجات الجنوب وعلى رأسها البخور بالإضافة للبعثات الملكية التقليدية لسيناء والنوبة والصحراء الشرقية حيث المحاجر والمناجم الزاخرة بالعديد من المواد الأولية كالنحاس والفيروز فضلا عن أنواع الحجارة المختلفة كالجيرى والبازلت والجرانيت بأنواعه المختلفة.
والواقع فإن التجارة الداخلية كانت بعكس مثيلتها الخارجية حيث عنى بإداراتها موظفون، كما كان قوامها المقايضة بتبادل السلع لسد حاجة الأفراد بما يحتاجونه مقابل مالديهم من فائض. ولم تكن تخضع فى المجمل لقاعدة النوع أو العدد، فحسبما أظهرت مناظر المقابر فقد كان يتم مثلا مقايضة الخضر بالمراوح أو تبادل الجعة بزوج من الصنادل.
والجدير بالذكر أن الذهب كان يستخدم معيارا لتقييم البضائع الثمينة التى كان يتم تبادلها مقابل ذات الوزن ذهبا، ولقد قام كتبة الضرائب منذ عهد الأسرة الخامسة بوضع قائمة تختص بتحديد هذه المعايير القيمة للسلع مقابل وزنها ذهبا. بيد أنه لا ينبغى اعتبار الذهب بمثابة عملة آنذاك حيث إن النقود لم تكن معروفة خلال العصر الفرعونى بأكمله، إذ كانت تقدر ثروة الشخص بمكانته الاجتماعية وانتسابه الوظيفى الذى يضمن له من عناصر الثروة ما يجعله فى عداد الموسرين ماديا والمتميزين اجتماعيا.
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق